الآثار الممتدّة للعقوبات: طهران لن تدفع الثمن وحدها
تفاقم عودة العقوبات على إيران أزمات الطاقة والأمن في غرب آسيا، ما يجعل المنطقة برمّتها معرّضة لتداعيات اقتصادية وعسكرية عابرة للحدود.


يبدو أن الآثار الاقتصادية لعودة العقوبات الأممية على إيران، لن تبقى محصورة داخل حدود البلد المقصود، بل يمكن، في أبسط الحالات، أن تفضي إلى إخلال مُكلف في عملية الانتقال الحرّ للطاقة. إذ ستجعل هذه العودة، منطقة غرب آسيا التي تُشبّه في الوقت الراهن ببرميل البارود، أكثر عرضة للضرر الناتج من الأزمات العسكرية والأمنية.
ورغم أنّ المسؤولين السياسيين الإيرانيين، لا سيّما وزير الخارجية عباس عراقجي، يشدّدون على ضرورة عدم تضخيم التّبعات الاقتصادية لعودة العقوبات الأمميّة، بيد أنّ توقّعات الخبراء، مع الأخذ في الاعتبار المواصفات الراهنة للاقتصاد الإيراني وتأثرّها بالأجواء السياسية والنفسية، تشير إلى أنّ هذه العودة يمكن أن تتسبّب في زيادة التضخّم، وتصاعد البطالة، وتراجع الصادرات شبه الرسمية للنفط الإيراني.
على أنّ ذلك لا يلقي بظلاله على الشعب الإيراني فحسب، ولكنه يؤثّر على اقتصاد الدول الجارة أيضاً، بما فيها العراق وتركيا، حيث تضطلع التجارة مع إيران، بدور جوهري. وفضلاً عمّا تقدّم، فإنّ الاضطراب في تدفّق النفط في الخليج، يمكن أن يرفع الأسعار العالمية للطاقة، ويتحوّل إلى عنصر يتهدّد الأمن الاقتصادي لغرب آسيا.
وبالتزامن، فإنّ هذه التذبذبات الاقتصادية التي يمكن أن تعبر الحدود الإيرانية، إلى جانب التدهور الأمني الحاصل في المنطقة، سيشكّلان عنصراً مُهدِّداً للدول العربية المطلّة على الخليج الفارسي، والتي جعلت من التنمية الاقتصادية أولويّتها الأولى. ولا يمكن، بأيّ حال من الأحوال، التغاضي عن أنّ هذه التطوّرات، يمكن أن تفضي إلى زيادة مخاطر الاستثمار الأجنبي في المنطقة.
احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة
قبل استصدار بيان الترويكا الأوروبية حول تفعيل الـ«سناب باك»، كانت إيران أعربت عن استعدادها للتسريع في العمل الديبلوماسي، بهدف خفض التصعيد في شأن ملفّها النووي، وأكّدت سلمية برنامجها، محذّرةً من أنّ دخول هذه الآليّة حيّز التنفيذ، سيواجَه بردود فعل حادّة وقاسية ومناسبة من جانبها. وفي هكذا ظروف، يمكن لتطبيق الآليّة، أن يؤدّي إلى مزيد من التشدُّد في الديبلوماسية النووية الإيرانية، وهو ما قد يتحوّل إلى ذريعة جديدة بالنسبة إلى إسرائيل للقيام بأعمال عسكرية ضدّ إيران، ويزيد من مخاطر نشوب حرب مباشرة.
ولعلّ ما يجب ألّا يبقى خفيّاً على بلدان المنطقة، حقيقة أنّ طهران أحجمت، في الاشتباكات المباشرة السابقة مع إسرائيل، عن توسيع نطاق الحرب على صعيد المنطقة، حتى أنها تصرّفت بحذر في ضربها لقاعدة «العديد» الأميركية في قطر. لكنها، في أيّ عدوان عسكري إسرائيلي - أميركي جديد عليها، يمكن أن تتخلّى عن ضبط النفس في مجال ردود فعلها الإقليمية.
من ناحية أخرى، ورغم أنّ قوّة إيران الإقليمية تأثّرت بعد السابع من أكتوبر، في بلدان من مِثل لبنان وسوريا والعراق واليمن، غير أنّ النواة الأوّلية للنفوذ الإيراني في هذه البلدان، لا تزال على حالها، فيما يُستبعد ألّا تعمد طهران إلى تفعيلها مجدّداً في ظروف اشتداد التصعيد في المنطقة.
وفي الوقت ذاته، يذهب بعض الخبراء إلى أنّ عودة العقوبات التسليحية لمجلس الأمن الدولي على إيران، في الوقت الذي أوفت فيه طهران بجميع التزاماتها النووية المنصوص عليها في «خطّة العمل الشاملة المشتركة»، حتى قبل انسحاب أميركا منها، يمكن أن تواجه بردّ فعل سلبي من جانب طهران. وهكذا، فإنّ إعادة العقوبات التسليحية الأممية، يمكن أن تغيّر توازن القوى لحساب منافسين من قبيل السعودية وإسرائيل، وتؤجّج الصراعات بالوكالة.
انحسار الآمال بالديبلوماسية
ينطوي تفعيل آليّة «سناب باك» على رسالة واضحة إلى اللاعبين في المنطقة: تقييد الديبلوماسية لتحلّ محلّها المواجهة. وتغيّر المناخ هذا، يمكن أن يدفع بالحكومات والمجموعات المختلفة إلى اتّخاذ مواقف أكثر تشدّداً، ويعقّد إمكانية إجراء أيّ حوار ومصالحة. ولا يمكن التغاضي عن حقيقة أنّ فشل الجهود الديبلوماسية في هذا الملف، سيقلّص الثقة بالحلول الديبلوماسية ويمهّد السبيل أمام الحلول العسكرية، رغم مزاعم الترويكا الأوروبية، عن أنّ تفعيل «آلية الزناد» يستهدف الضغط على طهران، وإلى حدٍّ ما واشنطن، للجلوس خلف طاولة المفاوضات.
بعبارة أدقّ، فإنّ عودة العقوبات الأممية على إيران، ليست مجرّد إجراء قانوني أو سياسي بتبعات محدودة، بل هي تُنتج موجة من التداعيات الأمنية والاقتصادية العابرة للحدود الإيرانية، لتغطّي منطقة غرب آسيا برمّتها. وفي ضوء ذلك، لا يمكن للقوى الإقليمية أن تتجاهل دورها الإيجابي، إذا ما اضطلعت به في هذا المجال، وهي قادرة، على خلفية علاقاتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وإلى حدّ ما الدول الأوروبية، على الحدّ من وقوع أزمة واسعة النطاق.
* رئيسة تحرير قسم السیاسة الخارجية في «وكالة الجمهوریة الإسلامیة للأنباء» (إرنا)
