
أعلنت إيران، أخيراً، عن إعدام عميلَين لـ«الموساد» الإسرائيلي - هما بابك شهبازي (أُعدم الأربعاء الماضي)، وإسماعيل فكري (أُعدم في حزيران الماضي) -، تمّ القبض عليهما قبل عامَين، بعدما قدَّما معلومات عن أماكن إستراتيجية في إيران، عبر عملهما في مجالَي الهندسة والاتصالات.
وفي عام 2023، قُبض على أحد أبرز عملاء «الموساد» في طهران، المهندس بابك شهبازي، الذي كان يعمل في مجال تصميم وتركيب وصيانة أجهزة التبريد لمراكز البيانات الكبيرة (Mega Data Centers). وبصفته مقاولاً معتمداً لدى المؤسسات والمراكز الحسّاسة - ويُقصد بها مراكز الاتصالات وبعض المنشآت ذات الطابع العسكري والأمني في طهران وكرج -، تمكّن شهبازي من الوصول إلى عدد من مراكز البيانات المهمّة والحيوية، وبيع المعلومات التي استحصل عليها إلى «الموساد».
وفي أواخر عام 2021، تعرّف شهبازي إلى إسماعيل فكري، الناشط في مشاريع تكنولوجيا المعلومات (IT) في طهران وكرج، ما مكّنه أيضاً من الوصول إلى البنية التحتية الحسّاسة للاتصالات. وكانت مهمّة فكري، جمع معلومات سرّية، من مثل إحداثيات مراكز البيانات، والمهمّات التنظيمية، ومعلومات عن الشخصيات الرئيسية، ونقلها إلى «الموساد»، عبر منصات اتصال آمنة ومشفّرة. وبحسب خطّة شهبازي، حصل أول تواصل مع «الموساد»، عبر البريد الإلكتروني الخاص بإسماعيل فكري، بعدما أكد المشغّل، «سامي»، التابع للجهاز الإسرائيلي، مراراً، على أمان هذه القنوات، وطمأنهما إلى أن الأجهزة الأمنية الإيرانية غير قادرة على اختراقها.
كان الدافع المالي ووعد الإقامة في الخارج هما العاملَين الرئيسَيين لتعاون شهبازي وفكري مع «الموساد»
وهكذا، استطاع شهبازي أن ينقل المعلومات الحسّاسة عبر اتصالات «سكايب» مع عملاء «الموساد» (بأسماء مستعارة، من مثل شموئيل، بنيامين، ومايكل)، في مقابل مبالغ مالية بالعملات المشفرة. وقدّم العميلان تقارير دقيقة وموثّقة لمشغّلهما، تضمّنت معلومات حيوية، حول:
*عدد ونماذج الخوادم وأنظمة التبريد المركبة في مختلف المؤسسات.
*العناوين الدقيقة لكلّ مركز أو شركة، ونوع أنشطتها.
*تفاصيل مواقع مراكز البيانات، بما في ذلك عدد الدرجات والأعمدة وارتفاع الجدران.
*عدد الموظفين في كل مشروع، خاصة المسؤولين عن مراقبة غرفة مركز البيانات، وطريقة دخولهم وخروجهم وساعات عملهم.
*التفاصيل الشخصية للأفراد، بما في ذلك عناوين منازلهم، وأرقام هواتفهم، وتخصصاتهم، ومهمّاتهم.
*الشركات المشاركة في المشروع، ونوع العقد، وكيفية اتصالها بالنظام الرئيسي.
ونصح المشغّل، «سامي»، كلا العميلَين بتجنّب الاتصال المباشر بينهما، لجعل تعقّبهما وتحديد هويتهما أكثر صعوبة. ولاحقاً، قدّمهما سامي إلى مشغّل آخر، يُدعى «بنيامين»، الذي تولّى مهمّة التحكّم وتوجيه اتصالاتهما الاستخبارية حتى لحظة اعتقالهما. وفكري الذي كان يعمل بتوجيه مشغّل يحمل اسم «أمير»، قام بتثبيت محفظة رقمية لتلقّي المكافآت المالية. وفي كانون الأول 2023، قامت الأجهزة الأمنية الإيرانية بتعقُّب اتصالاته وفك التشفير واعتقاله في عملية أمنية معقّدة.
وبعد اعتقال فكري، خطّط شهبازي لعملية هروب، تضمّنت ترك هاتفه مفتوحاً في المنزل، لتجنُّب لفت الانتباه، والوصول السريع إلى مواقع محدّدة للانتقال إلى منزل آمن في كردان (غرب مدينة كرج)، ثم مغادرة البلاد بمساعدة مهرّبين متعاونين عبر الحدود الآذربيجانية، والذهاب إلى العاصمة باكو. لكن الخطّة باءت بالفشل، وتم القبض عليه بالتنسيق والمتابعة بين وزارة الأمن الإيرانية وجهاز استخبارات «الحرس الثوري» قبل مغادرته البلاد.
وتُعدّ هذه القضيّة من أبرز وجوه الصراع الأمني - المعلوماتي بين إيران وإسرائيل، حيث كان الدافع المالي ووعد الإقامة في الخارج هما العاملَين الرئيسَيين لتعاون شهبازي وفكري مع «الموساد»، الذي يولي أهمية قصوى لتحصيل معلومات في المجالات التقنية وتكنولوجيا المعلومات والبنية التحتية الصناعية في إيران، وأيضاً لوجود عنصر بشري قادر على إيصال المعلومات والإحداثيات التي لا تؤمّنها التكنولوجيا، في ظلّ إجراءات الأمان و الإجراءات الاحترازية.
ويعمل «الموساد» على مسح أماكن العمل، وتتبُّع الأفراد عبر الإنترنت والهاتف، إضافة إلى بحثه المتواصل عن أشخاص نافذين في أماكن حسّاسة، حيث يتمّ تحديدهم ومحاولة الإيقاع بهم، بدءاً من الإغراءات المادية والمعيشية، وصولاً إلى توريطهم بالعمالة بأساليب عدّة قد تصل في بعض الأحيان إلى حدّ الابتزاز في الخصوصيات الشخصية والحيوية.

