
عبر قيادة المبادرة العالمية للاعتراف بـ«الدولة الفلسطينية»، يبدو للوهلة الأولى، أنّ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد دفع العلاقات الثنائية بين فرنسا وإسرائيل إلى مستوياتها الأكثر برودة منذ نهاية حرب «الأيام الستة» في عام 1967، عندما وصف الجنرال شارل ديغول، الشعب اليهودي، بـ«شعب النخبة، الواثق من نفسه والمتسلّط».
على أنّ الرئيس الفرنسي المعروف بـ«وسطيّته» في ما يتعلّق بقضايا الشرق الأوسط، عاد ليؤكّد، في خطابه في «الأمم المتحدة»، الإثنين، - والذي قال فيه إنّه «ووفاءً لالتزام بلدي التاريخي في الشرق الأوسط من أجل السلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، أعلن أنّ فرنسا تعترف اليوم بدولة فلسطين» -، إدانة باريس لـ«هجوم (حماس) الإرهابي»، والذي لا يزال «جرحاً حيّاً في ضمير الإسرائيليين كما في الضمير العالمي»، على حدّ تعبيره.
وفي المقابل، اعتبر ماكرون أنّه «لم يعُد هناك ما يبرّر استمرار الحرب في غزة. بل على العكس من ذلك، كل شيء يتطلّب وضع حدّ نهائي له»، نظراً إلى أنّ «الرهائن الإسرائيليين لا يزالون محتجزين في ظروف فظيعة، كما أنّ مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين يعانون من الجوع والخوف من الموت والحزن». ورغم أنّ المخاوف الإنسانية هيمنت على خطاب ماكرون، كما على سائر الخطابات القادمة من العواصم الأوروبية، فإنّ بعض الخبراء يشيرون إلى أنّ السياسة الداخلية هي المحرّك الحقيقي لهؤلاء الزعماء.
«معاناة» ماكرون
في حزيران عام 2024، أعلن إيمانويل ماكرون، في خطوة مفاجئة وغير مسبوقة تاريخياً، حلّ «الجمعية الوطنية»، داعياً إلى تنظيم انتخابات برلمانية على دورتين، بعدما أسفرت نتائج الانتخابات عن تحقيق «حزب التجمّع الوطني» اليميني المتطرّف بزعامة غوردان بارديلا، نتيجة تاريخية، بحصوله على 31.5 بالمئة من الأصوات.
على أنّه وعلى عكس التوقّعات التي كانت ترجّح حصول اليمين على الغالبية المطلقة، فقد أسفرت نتائج الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية عن تصدّر تحالف اليسار المشهد في «الجمعية الوطنية»، بحصوله على 182 مقعداً، مقابل 168 مقعداً للتحالف الرئاسي بزعامة ماكرون، و143 مقعداً لحزب «التجمّع الوطني اليميني المتطرّف» وحلفائه، ما يعني، عملياً، عدم حصول أي تحالف على الأغلبية.
ورغم وجود بعض التباينات في صفوفها، لا سيّما بين «الحزب الاشتراكي الفرنسي» (PS)، وحزب «فرنسا الأبية» (LFI) حول السياسة الخارجية، فقد دعت «الجبهة الشعبية الجديدة» إلى «الاعتراف (الفوري) بدولة فلسطين، والامتثال لأمر محكمة العدل الدولية - الذي يشير إلى خطر الإبادة الجماعية في غزة -، وقطع الدعم من جانب الحكومة الفرنسية لحكومة (...) رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو». وأخيراً، وعلى المستوى الأوروبي، دعت «الجبهة» إلى إنهاء «قيود التقشّف» التي يفرضها «ميثاق الاستقرار والنمو»، وإنهاء اتفاقيات التجارة الحرّة مع «الاتحاد الأوروبي».
وعليه، يرجع بعض المراقبين، لا سيّما في الأوساط الإسرائيلية التي تنتقد سياسات ماكرون الخارجية، موقف فرنسا الأخير إلى «معاناة» ماكرون محلّياً من أزمة سياسية واقتصادية، ما دفعه إلى الاستجابة لهذه المشاكل، بشكل غير متوقّع، «عبر مضاعفة جهوده لتأدية دور قيادي على الساحة الدولية».
وترى إيزابيل لاسير، المراسلة الدبلوماسية لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية اليومية، في تعليق نشره «معهد واشنطن»، أنّه بدءاً من حركة «السترات الصفراء» ما بين عامي 2018–2020، واجه ساكن الإيليزيه، إضرابات واحتجاجات يسارية، شكّلت تحدّياً كبيراً لإدارته، مشيرةً إلى أنّ «الاعتراف بالدولة الفلسطينية يساعده على التغلّب على المعارضة اليسارية، التي تنظر إلى هذا الأمر باعتباره قضية رئيسة». على أنّ لاسير، تردف أنّه «على المدى الطويل، من غير المرجّح أن تكون هذه الاستراتيجية كافية لاستعادة أو تحييد اليسار، الذي تتفشّى فيه معاداة السامية»، على حدّ تعبيرها.
وبحسب المصدر نفسه، تولّت فرنسا زمام المبادرة في الجهود الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية لثلاثة أسباب، أوّلها شعور ماكرون، بالإحباط من نتنياهو، الذي يرفض وضع حدّ للصراع في غزة، وثانياً، «تأثّره» بالأزمة الإنسانية في القطاع، فيما يتلخّص السبب الثالث في استخدامه للقضية المشار إليها لإسكات انتقادات اليسار السياسي في فرنسا.
كذلك، وبعدما أعرب عدد متزايد من دول الجنوب العالمي عن إحباطها إزاء ما تعتبره معايير مزدوجة من جانب القوى الغربية، والذي تمظهر في الإدانة القاسية لحرب روسيا في أوكرانيا، والصمت إزاء تصرّفات إسرائيل في غزة، يحاول ماكرون، طبقاً لمراقبين، «إعادة تقييم» الدبلوماسية الفرنسية في ضوء أوجه القصور الأخيرة فيها، ودفع باريس، بشكل أكثر وضوحاً، نحو الانفتاح على «الجنوب العالمي».
ماذا بعد؟
اليوم، وبعد الجهود التي أطلقتها باريس وأسفرت عن اعتراف نحو 157 دولة بحق الشعب الفلسطيني في إقامة «دولته»، ورغم أنّ ماكرون، أكّد في خطابه الأخير أنّ «الوقت قد حان للسلام، لأننا على بُعد لحظات قليلة من عدم قدرتنا على اغتنام» الفرصة، تشير مونيك شيميلييه - جيندرو، المتخصّصة في القانون الدولي ونظرية الدولة، ومؤلّفة كتاب «جعل الدولة الفلسطينية مستحيلة، هدف إسرائيل منذ إنشائها، 2025»، في مقابلة مع صحيفة «لو موند» الفرنسية، ردّاً على سؤال حول «التغيير» الذي قد يحدثه الاعتراف واسع النطاق بالدولة الفلسطينية، إلى أنّ «ردّة الفعل الأوّلية، هي أنّ الخطوة جاءت متأخّرة وغير كافية إلى حدّ كبير»، مشيرةً إلى أنّ «الأوان قد فات، نظراً إلى أنّ الدول الجديدة التي اعترفت للتّو بدولة فلسطين كانت قد سمحت لإسرائيل بتدمير أسس تلك الدولة بشكل منهجي، على مدى عقود من الزمن».
وتردف: «رغم أنّ الفعل الرمزي المتمثّل في الاعتراف سوف يوفّر بلا شكّ شعوراً بالرضا السطحي، فإنه لن يكون ذا تأثير كبير. كما أنّ الخطوة صغيرة للغاية، إذ إننا بحاجة إلى المزيد من الإجراءات للوفاء بالوعود الواردة في كافة التزامات القانون الدولي تجاه الشعب الفلسطيني، نظراً إلى أنّ إسرائيل لن تستسلم إلا تحت الضغط».
وتذهب الخبيرة إلى حدّ القول إنّه في الوقت الراهن، يخلق هذا الاعتراف «حال وهمية»، معتبرةً أنّه «إذا أردنا حقّاً الاعتراف بدولة فلسطينية حقيقية، فيتعيّن علينا استعادة الأسس الملموسة لوجودها». وتوضح أنه يمكن تحديد الدولة عبر عناصر معيّنة من مثل: إقليم قابل للحياة، وسكان يتجمّعون بحرّية، ومؤسسات تمارس وظائف سيادية، ورأس مال يتمّ اختياره بشكل مستقلّ، مشيرةً إلى أنّه «منذ إنشائها، عملت إسرائيل على تدمير كل هذه العناصر، في حين لم تفعل الدول الأخرى شيئاً».
لكن ما لم تتمكّن إسرائيل من تدميره، بحسب الخبيرة، هو الوعي الوطني الفلسطيني، بيد أنّه «سيكون من غير المجدي، ناهيك عن النفاق العميق، الاعتراف بشرعية هذا الشعور الوطني من دون اتّخاذ خطوات لاستعادة الأسس الملموسة التي ترفض إسرائيل بعناد منحها إليه».

