
في استنساخ لسياسة «التغوّل الإقليمي» التي تخوضها حكومة بنيامين نتنياهو على مستوى الشرق الأوسط، هبطت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في شأن مطالبته باستعادة السيطرة على قاعدة «باغرام» الجوية في أفغانستان، لتكون بمنزلة «البُعد الدولي المكمّل» لذلك النوع من السياسات العدوانية.
ترامب ينفض يده من «اتفاق الدوحة»
قبل أيام، كشف ترامب، من لندن، جانباً مهمّاً من دوافع واشنطن وراء محاولة استعادة السيطرة على القاعدة العسكرية التي انسحب منها الجيش الأميركي في آب 2021، عندما ذكّر بما كان ردّده، في آذار الماضي، حول كَون «باغرام» تقع «على بُعد ساعة واحدة فقط من المكان الذي تَصنع فيه الصين صواريخها وأسلحتها النووية»، علماً أن الرئيس الجمهوري دائماً ما انتقد طريقة انسحاب إدارة سلفه، جو بايدن، من أفغانستان، لأسباب تتعلّق بشمول الانسحاب، القاعدة التي شكّلت نقطة رئيسية للعمليات العسكرية إبّان الاحتلال الأميركي للبلد الواقع في آسيا الوسطى، بين عامَي 2001 و2021.
ومن هنا، اعتبر ترامب أن إدارة بايدن أعطت «باغرام» إلى الجانب الأفغاني «مجاناً»، و«(أنّنا) نحاول استعادتها، لأنهم بحاجة إلى أشياء منّا»، محذّراً أيضاً من أن لدى بلاده أوراق ضغط على حكومة «طالبان». وأتبع ترامب تحذيره ذاك، بتصريحات من البيت الأبيض، زعم فيها وجود مفاوضات تجريها إدارته مع كابول حول عودة القوات الأميركية إلى القاعدة، بدعوى أنّه «ما كان ينبغي لنا التخلّي عنها أبداً».
في المقابل، وبعد نحو أسبوع من تأكيد حكومة «طالبان» عقْدها مباحثات مع الجانب الأميركي حول مسائل عدّة، من أبرزها تطبيع العلاقات بين كابول وواشنطن، أوضح رئيس الشؤون السياسية في وزارة الخارجية الأفغانية، ذاكر جلالي، أن ما قاله الرئيس الأميركي حول استعادة «باغرام»، جاء «ضمن سياق صفقة محتملة»، مجدّداً رفض بلاده البحث في الوجود العسكري الأميركي في أيّ مفاوضات.
وبعدها بساعات قليلة، علّقت الحكومة، في بيان رسمي، على كلام ترامب، بالقول إنّ استقلال أفغانستان وسلامة أراضيها «خطّان أحمران»، مذكّرة الولايات المتحدة بالتزاماتها بموجب «اتفاق الدوحة» الموقع بين الجانبَين، بعدم استخدام القوّة أو التهديد ضدّ استقلال أفغانستان، في حين شدّدت على أن تكرار التجارب الفاشلة لن يجلب سوى المزيد من الخسائر. وأشار بيان الحكومة الأفغانية إلى أن سياسة البلاد الخارجية متوازنة، مؤكداً تطلُّع كابول إلى علاقات إيجابية مع كل الدول على أساس المصالح المشتركة.
بدوره، لمّح قائد الجيش الأفغاني، فصيح الدين فطرت، إلى نيّة واشنطن «العودة إلى (باغرام) عبر المفاوضات، لأنها لم تتمكّن من البقاء فيها عسكرياً»، مؤكداً أنّ قواته لا تخشى أيّ «متغطرس أو مستبدّ»، وفق ما ثبت خلال تجربة «الجهاد» ضدّ الولايات المتحدة وحلفائها. وتعهّد فطرت بـ«(أنّنا) لن نفرّط بشبر واحد من أرضنا»، جازماً أنّه «لا يمكن التفاوض في شأن قاعدة باغرام وغيرها مع أيّ جهة كانت».
«هوس» خارجي أم حملة داخلية؟
مع النفي الأفغاني، عاد ترامب إلى هوسه بإطلاق التهديدات ضدّ الدول؛ فكتب عبر حسابه في منصة «تروث سوشال»، السبت الماضي: «إذا لم تُعِد أفغانستان قاعدة باغرام الجوية إلى من أنشأها (في الحقيقة تم إنشاء القاعدة على أنقاض مطار سوفياتي)، أي الولايات المتحدة، فإن أموراً سيئة ستحدث».
ووفقاً لمحلّلين، فإن إصرار ترامب يرجع إلى عوامل عدّة خارجية، في طليعتها توظيف الجغرافيا الأفغانية في الصراع «الجيوبوليتيكي» القائم بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة ثانية، في ظلّ تقارير تتحدّث عن استخدام الأخيرة للقاعدة الأميركية السابقة، وتحذير كابول من مغبّة الانفتاح المتزايد على دول الجوار كروسيا وإيران. وعلى هذه الخلفية، جهد الرئيس الأميركي، على مدى أشهر، في دفع مسؤولي الأمن القومي إلى إيجاد طريقة لاستعادة القاعدة العسكرية الأفغانية، وفقاً لما كشفته شبكة «سي إن إن».
ونقلت الشبكة الأميركية عن مصادر قولها إن ترامب وكبار مسؤوليه يرون أن القاعدة ضرورية لعدّة أسباب، من بينها مراقبة الصين، التي تبعد حدودها نحو 800 كيلومتر، إلى جانب الحصول على إمكانية الوصول إلى المعادن النادرة وعمليات التعدين في أفغانستان، وربّما إعادة فتح بعثة ديبلوماسية هناك، مستدركة بأن تحقيق كل تلك الأهداف يتطلّب وجود قوات أميركية.
ترامب: إدارة بايدن أعطت «باغرام» إلى الجانب الأفغاني «مجاناً»
في الاتجاه نفسه، لفتت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن إعادة إحياء الوجود العسكري الأميركي في «باغرام»، لن يمنح الولايات المتحدة موطئ قدم في منطقة حيوية من الناحية الإستراتيجية قريبة من الحدود مع الصين، ومن ميدان تجارب نووية في منطقة نائية من إقليم شينغ يانغ فقط، بل سيسمح لها أيضاً بشنّ عمليات لـ«مكافحة الإرهاب» في منطقة مضطربة. وفي إشارة إلى عدم جديّة ما تزعمه إدارة ترامب حول عقد جولات تفاوضية مع «طالبان» للبحث في وجود عسكري مستقبلي لواشنطن داخل «باغرام»، ذكرت الصحيفة الأميركية أن مسؤولي الحركة لا يبدون متحمّسين لعودة القوات الأميركية إلى بلادهم.
وأضافت، نقلاً عن مصادر ديبلوماسية في كابول، أن «الأفغان لم يقبلوا مطلقاً بالوجود العسكري الأجنبي على أراضيهم طوال التاريخ»، رغم قناعة القيادة الأفغانية في الوقت نفسه «بالحاجة إلى التفاعل مع أميركا في العلاقات الاقتصادية والسياسية على أساس الاحترام الثنائي والمصالح المشتركة».
مع ذلك، أكدت الصحيفة أن المحادثات بين الجانبَين في شأن وجود قوة أميركية صغيرة في قاعدة «باغرام» لا تزال في مراحلها الأولى، ملمّحة إلى إمكانية الرهان على تقديم مغريات لـ«طالبان» بغية حثّها على القبول بالمطالب الأميركية، رغم صعوبة الأمر (لأسباب خاصّة بالتوازنات الإقليمية المتغيّرة في محيط أفغانستان حيث تنشط منظّمات كـ"شنغهاي" و"بريكس"، إضافة إلى تنوّع الالتزامات الدولية لواشنطن)، سواء لناحية توفير الاعتراف بحكومتها من جانب الولايات المتحدة، أو لناحية السماح لكابول بالوصول إلى أصولها المالية المجمّدة والمقدّرة بنحو 7 مليارات دولار.
ومع إقرارها بأن الاعتراف بحكومة «طالبان» الآن سيكون «خطأ» لاعتبارات تتعلّق بسياسة الحركة، لكن «واشنطن بوست» برّرت ذهاب الولايات المتحدة المحتمل نحو خطوة من هذا النوع، بدعوى حاجتها إلى «نفوذ أكبر» داخل أفغانستان، ومن منطلق احتفاظ عدد من البلدان الحليفة لها، كاليابان، بسفارات في كابول، مؤكدة أن الأمر «لن يشكّل خيانة للقيم الأميركية» المزعومة.
وفي موازاة مَن يشير إلى أن تهديدات ترامب تثبت إخلاله بالاتفاقات، بما في ذلك «اتفاق الدوحة» الذي وقعه بنفسه، ومدى نكثه بوعوده لجمهوره من التيار اليميني، بخاصة ذوي التوجهات الانعزالية، بإنهاء الحروب، ثمّة مَن يرى أنّ تلك التهديدات ترتبط بعوامل داخلية أكثر منها خارجية، وتحديداً حاجته إلى تكثيف الحملة السياسية على خصومه مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، إذ يريد السياسي الجمهوري تذكير الجمهور بما قد يعتبره «خطايا» الإدارة الديموقراطية السابقة، عند شروعها في الانسحاب من أفغانستان بموجب الاتفاق المذكور.

