توجّه إلى تعليق التعاون مع «الوكالة»: إيران تجهّز ردودها على العقوبات
تجهّز إيران ردودها على العقوبات الأممية والغربية عبر تعليق التعاون مع الوكالة الذرية وتعزيز الشراكات مع روسيا والصين وتطوير بدائل اقتصادية.


طهران | أثارت عودة العقوبات الأممية على إيران، ومعها تلك الأميركية والأوروبية، تساؤلات كثيرة في الحيّزيْن السياسي والإعلامي في طهران، تمحور أبرزها حول الإجراءات التطبيقية التي ستتّخذها الجمهورية الإسلامية في ظلّ الظروف المستجدّة. وفي حين ندّدت السلطات الإيرانية بتفعيل «آلية الزناد»، معتبرةً أن إعادة العمل بقرارات مجلس الأمن الدولي تفتقر للشرعية، فضلاً عن كونها «عديمة الأثر»، فهي أكّدت أنها ليست ملزمة بتنفيذها، محذّرةً من «ردّ مناسب وحازم» على العقوبات الدولية، من دون أن تستبعد خيار التفاوض.
ويبدو أن إيران اتّخذت بالفعل قرارات للردّ على عودة العقوبات، قد يكون من بينها تعليق الاتفاق الأخير الذي وُقّع بينها وبين «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، في القاهرة، بداية من أيلول، لاستئناف التعاون والتفتيش، وفقاً لما لوّح به مسؤولون إيرانيون، من بينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني.
وفي البُعدين الدبلوماسي والاقتصادي، أعلنت إيران أن مسار التعاون مع الغرب سيُقوّض، وأنها ستسعى جاهدة لتوسيع العلاقات التجارية والمصرفية مع الصين وروسيا، وأيضاً مع الدول الجارة، على أن تستفيد من آليات التبادل بغير الدولار وطرق الالتفاف على العقوبات وإدارة الضغوط الاقتصادية في الداخل. وعلى المستوى الإقليمي، حذّرت إيران، في حال تصعيد الضغوط، من ردود إقليمية، ملوّحةً بتقوية القدرات العسكرية وأدوات الردع (سواء دعم الحلفاء أو تعزيز القدرات الصاروخية).
وعلى الرغم من أن بعض أعضاء البرلمان الإيراني تحدّثوا، في الأيام الماضية، عن ضرورة اعتماد إجراءات من قبيل الانسحاب من «معاهدة حظر الانتشار النووي» (NPT)، أو التحرّك في اتّجاه تصنيع القنبلة النووية، لكن لا يبدو أن هكذا قرارات ستوضع على جدول أعمال المؤسسات العليا للدولة. وفي هذا المجال، رفض الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في أحدث مقابلاته الصحافية، بصراحة، انسحاب إيران من «NPT»، مؤكّداً أنها «كانت ولا تزال مستعدّة للحوار المنطقي والعادل والقائم على معايير واضحة»، مشدّداً على أن أيّ مفاوضات يجب ألّا تؤدي إلى «إدخال طهران في قضايا ومشكلات جديدة». وأضاف الرئیس الإیراني أن «البلاد مستعدّة لمواجهة أيّ ظروف محتملة»، في إشارة إلى الخيارات المطروحة أمام طهران في المرحلة المقبلة.
آثار عودة العقوبات، ستظهر، قبل كلّ شيء، في مجال الأسلحة والمصارف والنقل
ووفقاً لما ذهب إليه المختصّ في الشؤون الدولية، أمير علي أبو الفتح، في حوار مع صحيفة «جوان» (القريبة من «الحرس الثوري»)، فإنه «لا يجب التقليل من شأن تفعيل آلية الزناد ولا تضخيمها». فالآلية، وإنْ كانت في ظاهرها وسيلة لإعادة جميع قرارات مجلس الأمن الدولي ضدّ ايران، لكنها تستبطن، في مرحلة التطبيق، مساراً طويلاً ومليئاً بالتحدّيات الحقوقية والسياسية.
وحذّر أبو الفتح من أنه «إذا اعتبرت إيران هذا الواقع، رمزيّاً بحتاً، فقد تفاجأ أمام تبعاته الحقيقية. ومن ناحية أخرى، إذا اعتبرته أكبر من حجمه الحقيقي، فربّما تنجرّ إلى اتّخاذ قرارات عاطفية وغير مدروسة». ومن وجهة نظره، فإن آثار عودة العقوبات، «ستظهر، قبل كلّ شيء، في مجال الأسلحة والمصارف والنقل. لكن، وعلى النقيض من التصوّر العام، فإن قطاع النفط لن يتأثّر كثيراً، لأنه كان تعرّض لقيود شديدة في ظلّ العقوبات الأميركية».
كذلك، تطرّق أبو الفتح إلى طرق تصدّي طهران للإجراءات الأخيرة، مشدّداً خصوصاً على دور «الشركاء غير الغربيين». وقال، في هذا الإطار، إن «علاقات إيران مع روسيا والصين استمرّت في السنوات الماضية، حتى تحت ضغط العقوبات الأميركية الصارمة. والآن، من المُستبعد أن تتماهى هاتان الدولتان مع مطالب الغرب». ورأى أنه «على إيران أن تولي أهمية أكبر لهذا التعاون، وأن تبقي، في الوقت ذاته، على المسارات البديلة للتجارة والتبادل المالي، فعّالة»، لافتاً إلى أن «الطاقات الداخلية» الإيرانية في قطاعات من مثل التكنولوجيا المحلّية والقدرات الدفاعية والقدرة على الالتفاف على القيود التجارية، «يمكن أن تتحوّل إلى أداة لخفض تداعيات العقوبات».
مع ذلك، دعا أبو الفتح واضعي السياسات في بلاده إلى أن يركّزوا في هذه المرحلة على «الإدارة الواقعية»، أي «ألّا يسمحوا لتلك الضغوط بأن تتحوّل إلى أزمة نفسية في المجتمع من جهة، وألّا يتجاهلوا، من خلال الشعارات البحتة، الوقائع الاقتصادية والدبلوماسية».
من جهته، شدّد سفير إيران الأسبق لدى كل من البرازيل واليابان وألمانيا، علي ماجدي، في حوار مع موقع «تجارة نيوز»، على ضرورة حفظ التوازن والعقلانية في السياسة الخارجية للبلاد بعد عودة العقوبات. واعتبر أنه «على إيران ألّا تلجأ إلى قرارات أحادية البُعد وعاطفية في سبيل مواجهة العقوبات، وألّا تقطع، حتى في ظروف العقوبات، علاقاتها نهائيّاً مع أوروبا وباقي اللاعبين الغربيين». وقال ماجدي إن «وقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو الانسحاب من NPT، يمكن أن يعرّض إيران لتكلفة دبلوماسية وسياسية أكبر، ويزيد من عزلة البلاد». كما دعا إلى الإبقاء على طرق الحوار مفتوحة، من دون التراجع عن المواقف الوطنية والقانونية.
وبحسب ماجدي، فإن سياسة طهران في هذه الظروف «يجب أن تتركّز على الإدارة الذكية للتصعيد والإفادة من الطاقات الحقوقية والدبلوماسية والاقتصادية لخفض تداعيات العقوبات؛ بحيث تتمكّن البلاد من الحفاظ على مقاومتها، وفي الوقت ذاته الاستفادة من فرص التعاون مع اللاعبين الدوليين لتقليص الأضرار الاقتصادية والسياسية». ورأى أن هذا التوجّه، يمثّل السبيل الفعلي الوحيد لتجاوز أزمة العقوبات من دون الانزلاق إلى براثن العزلة الكاملة.
