ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الأزمة الفرنسية تعيد إنتاج نفسها: طريق اليمين أقلّ وعورة

عرب وعالم
|أوروبا
حفظ المقالة

يبدو أن الماكرونية النيوليبرالية انتهت إلى شلل سياسي وفراغ في السلطة من شأنه أن يعبّد الطريق أمام صعود أقصى اليمين، كبديل وحيد لإدارة المشهد الفرنسي.

سعيد محمد
سعيد محمد
الأربعاء 8 تشرين اول 2025
كانت مهمّة ليكورنو، مثل سلفَيه بارنييه وبايرو، هي تمرير موازنة عام 2026 التي تلبّي إملاءات رأس المال الفرنسي والمفوضية الأوروبية (أ ف ب)
كانت مهمّة ليكورنو، مثل سلفَيه بارنييه وبايرو، هي تمرير موازنة عام 2026 التي تلبّي إملاءات رأس المال الفرنسي والمفوضية الأوروبية (أ ف ب)
الخط

لندن | مثّلت استقالة سيباستيان ليكورنو، بعد أقلّ من أربعة أسابيع على تعيينه رئيساً للوزراء في فرنسا، لحظةً كاشفة لعمق الأزمة التي تعصف بالنظام السياسي للجمهورية الخامسة. فبسقوطه، أصبح الرجل ثالث رئيس وزراء يطاح به في أقّل من عام، ليسجّل بذلك أقصر ولاية لرئيس حكومة منذ عام 1958. وممّا بات ظاهراً، أن الأزمة المعتملة تتجاوز الأسماء، لتضرب صميم بنية النظام نفسه، العاجز عن إدارة التناقضات الطبقية المتفجّرة في ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، وهو ما أغرق البلاد في أسوأ مأزق سياسي - اجتماعي - اقتصادي تمرّ به منذ سبعة عقود.

ما حصل هو أن الحكومة انهارت قبل أن تؤدّي اليمين الدستورية. لكن سقوطها لم يكن مفاجئاً، بعدما جاء ليكورنو، أحد المساعدين المقرّبين من الرئيس الفرنسي، واعداً بـ«قطيعة» مع الماضي، ليقدّم حكومةً تمثّل خلاصة الاستمرارية الماكرونيّة: إعادة تدوير لوجوه قديمة أغضبت الحلفاء قبل الخصوم، فيما جاء تعيين برونو لومير، وزير المالية لسبع سنوات والذي يُحمَّل مسؤولية ارتفاع الدين العام الفرنسي إلى 4 تريليونات دولار، بمثابة استفزاز صريح للجميع، نتج منه تهديد «الجمهوريين» (يمين الوسط) بالانسحاب، لتُسدَل الستارة سريعاً على حكومة وُلِدَت ميتة.

على أنه خلف الدراما السياسية في قصر ماتينيون - المقرّ الرسمي لرئيس وزراء فرنسا في الدائرة السابعة في باريس -، يدور صراع أعمق وأكثر عنفاً، حول مَن يجب أن يتحمّل كلفة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والمتجلّية في: دين عام يبلغ 115% من الناتج المحلي الإجمالي، وعجز في الموازنة يُتوقّع أن يصل إلى 5.4% عام 2025 (قرابة ضعف سقف الاتحاد الأوروبي)، فيما تكاليف خدمة الدين مرشّحة لأن تصل إلى 75 مليار يورو العام المقبل. ولعلّ هذه الأرقام تؤكد حقيقة واضحة، هي أن النظام لا يمكنه الاستمرار في تأجيل الكارثة إلى الأبد، وأن ثمّة جهة سيكون عليها تحمُّل كلفة إصلاح الأوضاع القائمة.

ومنذ وصوله إلى السلطة عام 2017، مثّل ماكرون بمشروعه الذي حمله، مصالح رأس المال الفرنسي، ناحياً نحو تفكيك ما تبقّى من دولة الرفاه التي بُنيت بعد الحرب العالمية الثانية، وتحميل كلفة «الإصلاح» المزعوم للعمّال والموظفين والطبقات الوسطى. وتجلّى ذلك في تغيير نظام التقاعد، والتخفيضات الضريبية الهائلة للشركات، والآن، في محاولات فرض موازنات تقشفية قاسية. وكانت مهمّة ليكورنو، مثل سلفَيه ميشال بارنييه وفرانسوا بايرو، هي تمرير موازنة عام 2026 التي تلبّي إملاءات رأس المال الفرنسي والمفوضية الأوروبية، عبر مزيج من زيادة الضرائب على الأكثرية وخفض الإنفاق الاجتماعي.

على أن ليكورنو ألقى باللوم، في خطاب استقالته، على الأحزاب السياسية التي «تتصرّف وكأن كلّاً منها يمتلك الغالبية»، ولكنه تجاهل أن البرلمان المنقسم الذي نتج من انتخابات 2024 الكارثية، هو انعكاس دقيق لانقسام المجتمع الفرنسي نفسه، بعدما فقدت النخبة التي يمثّلها ماكرون، «هيمنتها» وقدرتها على الإقناع. وعندما حاولت فرض أجندتها بالقوّة، وجدت أن أدواتها السياسية والدستورية قد تآكلت، فتعطّلت آلة الجمهورية الخامسة التي صمّمها شارل ديغول لضمان سلطة تنفيذية مطلقة في خدمة مصالح الطبقة الحاكمة.

وعليه، يتحمّل ماكرون المسؤولية التاريخية المباشرة عن هذا المأزق، بعدما نجحت سياساته في تدمير الحزبَين التقليديَّين (الاشتراكي والجمهوري) اللذين أدارا الدولة الفرنسية بالوكالة عن البرجوازية لعقود، ليخلق «وسطاً» متطرّفاً لا يمثّل سوى مصالح رأس المال المالي والعولمة. لكن هذا «الوسط» انكشف على حقيقته: قشرة رقيقة تفتقر إلى أيّ قاعدة اجتماعية حقيقية. وعندما راهن ماكرون بغطرسة على حلّ البرلمان في صيف 2024، ظنّاً منه أنه سيقضي على خصومه، كانت النتيجة عكسية تماماً؛ إذ أنتجت تلك الخطوة برلماناً معلّقاً بثلاث كتل متناحرة لا تمتلك أيّ منها غالبية تؤهّلها للاستفراد بالحكم وتمرير السياسات: كتلة ماكرون الوسطية الضعيفة، وكتلة يسارية موحّدة («الجبهة الشعبية الجديدة»)، و«التجمّع الوطني» (أقصى اليمين)، صاحب أكبر عدد من المقاعد كحزب منفرد.

سقوط حكومة ليكورنو أكثر من مجرد حدث سياسي اعتيادي في إطار التنافس السياسي التقليدي للديموقراطيات الغربية


وفي ظلّ هذا الانسداد السياسي، تتسابق القوى المتنافسة لتقديم نفسها كبديل أقدر من الوسط على إدارة الأزمة. فعلى ضفة أقصى اليمين، تخوض مارين لوبن (زعيمة «التجمّع» التاريخية)، وتلميذها جوردان بارديلا، رئيس الحزب، لعبة تكتيكية ناجحة؛ ذلك أن تصويتهما ضدّ موازنات التقشّف يُعدّ استراتيجية لكسب الشرعية الشعبية للفرنسيين المتضرّرين، ولكن بديلهما الاقتصادي يقتصر على تغيير ضحية التقشف: فبدلاً من خفض الإنفاق الاجتماعي - الذي يستفيد منه «الفرنسيون الأصليون» -، يقترحان تمويل العجز عبر خفض الإنفاق على المهاجرين والحدّ من «الاحتيال الاجتماعي»، أي توجيه الغضب المشروع من النيوليبرالية نحو عدو متخيَّل (المهاجر).

وعندما يطالب بارديلا بحلّ البرلمان، فهو يطلب من الشعب تفويضاً لإدارة الدولة البرجوازية بيد من حديد، مقدّماً نفسه لقطاعات رأس المال كـ«ضامن للاستقرار» في وجه الفوضى الماكرونية. أمّا على اليسار، فيمثّل موقف «الجبهة الشعبية الجديدة» (تحالف الاشتراكي والشيوعي والخضر وفرنسا الأبية) دفاعاً موضوعيّاً عن مصالح العمّال والقطاع العام. لكن استراتيجيته لا تزال محصورة في إطار تحسين النظام القائم لا نقضه، إذ يعرض إدارة الأزمة بشكل «أكثر إنسانية»، عبر زيادة الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى.

لكن أيّ حكومة يسارية ستصطدم حتماً بالواقع نفسه الذي تحدّث عنه رؤساء وزراء ماكرون: ضغوط البنك المركزي الأوروبي، وقواعد العجز الصارمة للاتحاد، وابتزاز أسواق السندات التي ارتفعت تكاليف الاقتراض الفرنسي فيها بشكل ملحوظ بعد كل أزمة سياسية. ومن دون قطيعة جذرية مع هذه البنى، ستضطرّ أيّ حكومة يسارية إلى تطبيق نسخة مخفّفة من التقشّف، ما سيؤدّي إلى خيانة قاعدتها وتعبيد الطريق في المحصلة لوصول أقصى اليمين إلى السلطة.

ومع استقالة ليكورنو، بات ماكرون محاصراً، وأكثر عزلة، فيما خياراته محدودة، وكلها سيئة: فإمّا أن يلجأ إلى تعيين رئيس وزراء رابع، وهو ما سيكون مضيعة تامّة للوقت - إذ سيواجه البرلمان المنقسم نفسه والاستحالة عينها في تمرير الموازنة -، وإما أن يحلّ البرلمان مجدداً، وهو الخيار الذي يطالب به «التجمع الوطني» كونه يتيح له فرصة الحصول على غالبية نسبية أو حتى مطلقة وفق استطلاعات الرأي - علماً أن تلك الخطوة ستكون مقامرة يمكن أن تضع أقصى اليمين في السلطة لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة -، أو بالطبع، الاستقالة من منصبه والتخلّي عن الحكم لما تبقى في ولايته الثانية، وفق مطالب أقصى اليسار وبعض المحافظين الذين يعتبرون شخصه أصل الفوضى، وأن رحيله هو السبيل الوحيد لكسر الجمود. لكن ماكرون استبعد هذا الخيار مراراً، فيما التشبث بالسلطة هو ديدن من يمثلهم.

في غضون ذلك، يستمر الاقتصاد الفرنسي في الترنح؛ إذ انخفض مؤشر أسهم أكبر الشركات الفرنسية (كاك 40) بنسبة 1.4% بعد استقالة ليكورنو، وتراجعت أسهم البنوك الكبرى، في حين يجد المستثمرون الدوليون، بشكل مطّرد أن فرنسا تفقد جاذبيتها الاستثمارية في ظل تعمّق مناخ عدم اليقين هذا.

على أي حال، يعدّ سقوط حكومة ليكورنو أكثر من مجرد حدث سياسي اعتيادي في إطار التنافس السياسي التقليدي للديموقراطيات الغربية، بل أحدث إشارة على موت «الوسط» الذي حكم أوروبا بمجملها لعقود، فيما لن يملأ الفراغ الذي تركه لتكنوقراط، مهما حاول ماكرون شراء الوقت عبر الهروب إلى الأمام، بل سيُحسم في الصراع المفتوح بين البديلين: إمّا حكم أقصى اليمين المتطرف، أو مواجهة مفتوحة في الشوارع والمصانع، تبدو الآن الخيار الوحيد المتبقي أمام الطبقة العاملة الفرنسية للدفاع عن مكتسباتها التاريخية ومنع تفكيك عقدها الاجتماعي.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك