
حتى يوم الأربعاء الماضي، كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يتراجع، باستمرار، عن تنفيذ تهديداته بفرض رسوم جمركية وعقوبات أخرى على روسيا، كوسيلة لإجبارها على القبول بإنهاء الحرب في أوكرانيا. على أنّ الإدارة الأميركية، أعلنت، الأربعاء، فرض عقوبات على أكبر منتجي النفط في روسيا، مطلقةً أول حزمة رئيسة من العقوبات المالية التي تستهدف الاقتصاد الروسي. وأدرجت وزارة الخزانة الأميركية شركتي النفط العملاقتين المملوكتين للدولة «روسنفت» «ولوك أويل»، على القائمة السوداء، بذريعة «عدم التزام روسيا الجاد بعملية السلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا»، بحسب بيان أصدرته أول من أمس. وبحسب تقديرات نشرتها وكالة «بلومبرغ»، تمثّل الشركتان الروسيتان ما يقرب «من نصف إجمالي صادرات البلاد من النفط الخام».
وتأتي هذه العقوبات لتحدث تغيراً جذرياً في السياسة الغربية تجاه النفط الروسي، بعدما كانت الجهود السابقة، والتي شملت فرض سقف على الأسعار من جانب مجموعة «الدول السبع»، تسعى إلى الحد من إيرادات الكرملين، إنما من دون التأثير على تدفق البراميل. واقترنت الخطوة الأخيرة بإعلان ترامب أنّه لا يريد عقد «اجتماع ضائع» مع نظيره الروسي. ومما قاله ترامب في اجتماع مع الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي»، مارك روته، في المكتب البيضاوي: «شعرت أنّ الوقت قد حان» لاتخاذ الخطوة. واستدرك بأنّه يأمل «ألا تستمر العقوبات لفترة طويلة»، وأنّه «يتوقع التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب». وأردف: «الشيء الوحيد الذي أستطيع قوله هو أنه في كل مرة أتحدث فيها مع فلاديمير، أجري محادثات جيدة، ثم لا تؤدي إلى أي شيء»، مشيراً في الوقت عينه إلى أنّه يتوقع عقد لقاء مع ساكن الكرملين «في المستقبل».
وحول التحول الأخير في سياسات ترامب، يرى ديميتري بريجع، الباحث ومدير «وحدة الدراسات الروسية» في مركز «الدراسات العربية الأوراسية»، في حديث إلى «الأخبار»، أن تصرفات الرئيس الأميركي المتقلبة ليست عشوائية، بل تعكس «طبيعة مشروعه السياسي الذي يقوم على خلق التناقض من أجل السيطرة على المشهد»، لافتاً إلى أن ترامب «يستخدم التقلب كأداة لإرباك خصومه وإرسال رسائل متعددة الاتجاهات في وقت واحد. وعليه، فهو يظهر أحياناً ميلاً إلى روسيا عندما يرى أن الحوار يخدم مصالحه، فيما يتخذ أحياناً مواقف عدوانية ليؤكد استقلال قراره أمام الداخل الأميركي».
التبعات
وطبقاً لتقرير أورته وكالة «بلومبرغ»، تعقيباً على الإجراءات الأميركية الأخيرة، يبقى «من غير الواضح ما إذا كانت العقوبات ستؤثر بشكل خطير على حسابات بوتين بشأن الحرب، لاسيما وأنّ إدارة جو بايدن فرضت موجة تلو الأخرى من العقوبات على روسيا، مما أضر بالاقتصاد الروسي، إنما لم يردع بوتين أبداً عن المضي قدماً». ويوضح التقرير أنه «نظراً إلى أنّ التركيز ينصب على شركات النفط نفسها، وليس الأطراف الثالثة التي تتعامل معها، فمن المرجح أن تجد العديد من هذه البراميل طريقها إلى السوق، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى».
وفي حديث إلى الوكالة نفسها، يحذر توماس غراهام، وهو زميل في «مجلس العلاقات الخارجية»، من أن تأثير العقوبات الأخيرة قد يكون في نهاية المطاف «أقل مما يأمله ترامب»، لافتاً إلى أنّه «في حال كان البيت الأبيض يعتقد أنها ستؤدي إلى تغيير جذري في سلوك الكرملين أو سياسة بوتين، فإنهم يخدعون أنفسهم، ولا أعتقد أنهم يعتقدون ذلك بالفعل». ويتابع: «العقوبات تعمل ببطء وكان الكرملين جيداً جداً في التحايل على هذا النوع منها».
من جهته، يؤكد الخبير بريجع أن الإجراءات الأخيرة هي أشبه «بلعبة ضغط سياسي أكثر من كونها أداة اقتصادية فعالة، نظراً إلى أن روسيا تكيّفت مع هذه الآلية منذ عام 2014، وبنت بدائل مالية وتجارية تقلّل من أثرها المباشر». ومع ذلك، يرى مراقبون أنّه قد تكون لهذه العقوبات آثار غير متوقعة، لاسيما على الهند ومشترياتها من النفط التي أزعجت ترامب منذ فترة طويلة، علماً أن شركة التكرير العملاقة «ريلاينس إندستريز» المحدودة، والتي تعدّ أكبر مستورد للنفط الروسي في البلاد، تستورد البضائع بموجب صفقة محددة المدة مع «روسنفت».
تمثّل الشركتان الروسيتان ما يقرب من نصف إجمالي صادرات البلاد من النفط الخام
ومن هذا الإطار، يبيّن مارشال بيلينجسلي، مسؤول الخزانة خلال فترة ولاية ترامب الأولى، لصحيفة «ذي غارديان» البريطانية، إن التهديد باستهداف البنوك التي تتعامل مع الشركتين «كان من بين الإجراءات الأكثر أهمية التي تم الإعلان عنها، لأنه سيجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة الشركات المستوردة للنفط الخام الروسي»، مشيراً إلى أنّه «حتى لو أرادت المصافي الهندية والصينية والتركية الاستمرار في الشراء، فقد ترفض بنوكها ذلك». وبالفعل، أفادت مصادر صناعية، وكالة «رويترز» أمس، بأنّ مصافي التكرير الهندية تستعد لتقليص وارداتها من النفط الروسي بشكل حاد، امتثالاً للعقوبات الأميركية الجديدة، وذلك بهدف إزالة «عقبة رئيسة من أمام التوصل إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة».
ويأتي هذا التغيير في الوقت الذي تواجه فيه الهند رسوماً جمركية بنسبة 50% على صادراتها إلى الولايات المتحدة، نصفها رداً على مشتريات النفط الروسية، وتتفاوض على صفقة تجارية محتملة يمكن أن تجعل هذه الرسوم متماشية مع نظيراتها الآسيوية، في مقابل تقليص واردات النفط الخام من موسكو. وبحسب المصدر نفسه، تخطط «ريلاينس إندستريز» لخفض واردات النفط الروسي أو وقفها، بما في ذلك وقف المشتريات بموجب صفقتها الكبيرة طويلة الأجل مع «روسنفت»، حسبما قال أشخاص مطلعون على الأمر.
وقال متحدث باسم الشركة الهندية، رداً على استفسار حول ما إذا كانت الأخيرة تخطط لخفض وارداتها من النفط الخام من روسيا، إن إعادة معايرة واردات النفط الروسية مستمرة، «وستكون (ريلاينس) متوافقة تماماً مع المبادئ التوجيهية لحكومة الهند».
وعلى وقع العقوبات الأخيرة، ازدادت أسعار النفط على الفور؛ إذ ارتفع خام برنت بنحو 3%، أمس، ليتداول فوق 64 دولاراً للبرميل، في وقت يحفز فيه التهديد المتجدد بتعطيل الإمدادات الروسية سوق النفط العالمية التي كانت تستعد لفائض كبير في الإمدادات.
عقوبات «منسقة»
وبالتوزاي مع إعلان ترامب عن عقوباته، أقرت دول الاتحاد الأوروبي رسمياً، أمس، الحزمة الـ19 من العقوبات على روسيا. وتشمل الحزمة الجديدة حظراً على واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي، في خطوة وُصفت بأنها من أشد الإجراءات الأوروبية تأثيراً على قطاع الطاقة الروسي منذ اندلاع الحرب. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، في منشور على منصة «إكس»، إن الحزمة «تستهدف روسيا من خلال البنوك، ومنصات تداول الأصول المشفرة، وكيانات في الهند والصين وغيرها». كما تضمنت الحزمة آلية جديدة للحد من حركة الدبلوماسيين الروس داخل أراضي الاتحاد الأوروبي. وكانت المملكة المتحدة قد فرضت، بدورها، قبل أسبوع، عقوبات على شركتي «روسنفت» «ولوك أويل».
الرد الروسي
وفي أول ردة فعل على الإجراءت الأميركية، حذرت موسكو من أنّ «العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على شركتي (لوك أويل) (وروسنفت) تؤدي إلى نتائج عكسية حصراً»، مشيرةً إلى أنّها «لن تتسبب لروسيا بأي مشاكل خاصة»، نظراً إلى أنّ البلاد «تتمتع بحصانة قوية ضد العقوبات الغربية». وفي ما يتعلق بحزمة الاتحاد الأوروبي، لفتت موسكو إلى أنّ الأخيرة ستأتي «بنتائج عكسية» على بروكسل، فيما تبدو احتمالات توسعها «مستنفدة إلى حد كبير»، بعدما جربت بروكسل «كل الخيارات تقريباً بهدف «إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وإلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي والقدرات الدفاعية»، مؤكدة أنّ روسيا «سوف ترد بشكل مناسب، وبعناية، ومع وضع مصالحنا الأساسية في الاعتبار».
ووسط انتشار معلومات عن رفع أميركي للقيود على استخدام الصواريخ وتزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية، يرى بريجع أن مثل هذا التصعيد «محسوب»، معرباّ عن اعتقاده بأن «مثل هذه الإجراءات ستزيد من تصلب الموقف الروسي، لأن موسكو ترى في أي تنازل الآن إضعافاً لموقعها الاستراتيجي، وبالتالي ستختار المضي في سياسة الردع والتحدي بدلاً من التراجع».

