أميركا تُهندس صفقاتها أفريقياً: الحلّ للصحراء الغربية... مغربي فحسب!
تفرض واشنطن رؤيتها في الصحراء الغربية عبر دعم المشروع المغربي، مكرّسة منطق الصفقات وتقويض العمل الأفريقي المستقل.


شهد الـ31 من تشرين الأول الماضي، تصويتاً في مجلس الأمن لصالح خطّة تقدَّم بها المغرب، تتضمّن بسط سيادته على الصحراء الغربية، ومنْح المنطقة المُتنازع عليها "حكماً ذاتيّاً"، وفق مشروع القرار الذي تقدّمت به الولايات المتحدة للمجلس، وحظي بتأييد 11 عضواً. وغاب عن التصويت كلّ من روسيا والصين وباكستان، بينما امتنعت الجزائر (التي تدعم استقلال جمهورية الصحراء الغربية المُعلَن من قِبَل البوليساريو في مطلع عام 1976)، عن التصويت، وسط إشارات إلى تصاعُد التوتّر في شمال غرب أفريقيا، خصوصاً بعد إطلاق "رئيس الجمهورية الصحراوية" والأمين العام لجبهة "البوليساريو"، إبراهيم غالي (1 نوفمبر)، تهديدات بعدم تعاطي الجبهة مع "المقاربات الأحادية الجانب التي لن تؤدّي إلّا إلى تفاقم النزاع وتعريض المنطقة للخطر".
ووصفت الميديا الغربية القرار بأنه "انتصار لا غبار عليه للدبلوماسية المغربية"، وسط احتفاء شعبي ورسمي مغربي ملحوظ، في حين اعتبر أكاديميون معنيون بالمسألة، حاورتهم "الأخبار"، أن قرار مجلس الأمن يمثّل تحوّلاً استراتيجيّاً في تعاطيه مع قضيّة الصحراء الغربية، وفق نهج الصفقات الأميركية، وأن ما ترتّب عليه "من محو دولة من دول الاتحاد الأفريقي"، يعني شهادة وفاة مُعلَنة للعمل الجماعي الأفريقي، ومبدأ "حلول أفريقية لمشكلات أفريقية"، وتأكيداً لنهاية نظيره العربي، واستهلالاً جديداً لمحاولات تقسيم مناطق النفوذ بين القوى الكبرى في القارة الأفريقية، في ضوء قراءة دلالات غياب الصين وروسيا عن التصويت.
مستعمرة أفريقيا الأخيرة: "دولة بمساحة فرنسا وسكان ليون!"
يشير سرد تاريخ الصحراء الغربية، التي يحلو لكثيرين وصفها بأنها "بمساحة فرنسا وعدد سكان ليون" كدلالة على اختلال سكاني وسياسي كبيريْن، إلى كونها جزءاً لا يتجزّأ من أزمات الإقليم وصراعاته الراهنة، ولا سيما بين بلدَيه الكبيرَين: المغرب والجزائر. وبدا حضور المسألة واضحاً للغاية، منذ وصول العرب إلى المغربَين الأوسط والأقصى، وتحوُّل أعداد محدودة من سكان المنطقة إلى اعتناق الإسلام، منذ نهاية القرن السابع للميلاد.
ويقال إن حاكم أفريقيا، عبد الرحمن بن حبيب، أمر، في عام 745، بإقامة خطّ من الآبار على طول الطريق من جنوب المغرب إلى مدينة أودغشت التجارية (في جنوب موريتانيا الحالية)، مروراً بالصحراء، فيما ساهم ازدهار التجارة في القرنَين الثامن والتاسع، في انتشار الإسلام وسط سكان الصحراء، مع انتظام مرور القوافل القادمة من أفريقيا وإسبانيا، في طريقها إلى ممالك غرب القارة للحصول على الذهب وغيره من السلع.
وبحسب توني هودجز، في مؤلّفه عن جذور الحرب في الصحراء الغربية (1983)، فإن هجمات البدو العرب على الصحراء تزايدت في القرن الحادي عشر، كما أثّرت الأوضاع في مصر الفاطمية على وصول مجموعات من قبيلة "بني هلال" إلى سواحل الأطلسي المغربية. وسجّل ليون الأفريقي (الذي زار الصحراء منطلقاً من المغرب في عام 1512) وجود قبيلة "صنهاجة" هناك، إلى جانب إحدى القبائل العربية المُسماة "أولاد دليم"، الذين "يعيشون في فقر مدقع"، لكنهم حقّقوا مع مرور الوقت سلطة سياسية غير مسبوقة في جنوب الصحراء الغربية الحالية، حيث بدأ تيّار التعريب في تعميق جذوره في المنطقة بأكملها، بعد تركّزه سابقاً في أهمّ المدن.
وتزامن مع ذلك، وصول البرتغاليين (1433-1434) إلى سواحل الصحراء الغربية، حيث مهّدوا الطريق بشكل غير مباشر أمام احتلال إسبانيا للمنطقة، عقب تحريرها جزر الكناري من قبضة البرتغال (1479)، وبدء استكشافها للمناطق الواقعة جنوب سلطنة فاس، انطلاقاً من "ساحل البربر". لكنّ الظروف السياسية في إسبانيا، منذ عام 1504، عند وفاة الملكة إيزابيل، وتزايد حجم التجارة الإسبانية مع أميركا، أدّيا إلى تراجع اهتمام البلاد بالتجارة مع الإقليم لمدة ثلاثة قرون ونصف قرن تقريباً (الصحراء الإسبانية - في منشورات أوراق مؤتمر السلام - فرساي، 1920)، في مقابل تعميق المغرب صلاته به بمستويات غير مسبوقة.
ومع التكالب الاستعماري الأوروبي على أفريقيا نهاية القرن التاسع عشر، أرسلت مدريد حملةً بقيادة دون إميليو بونيلي (1884) لاستكشاف موارد "إقليم الصحراء". وبناءً على هذه الحملة، شكّلت إسبانيا محميّة الصحراء، وأرسلت، في الـ9 من كانون الثاني/ يناير 1885، مذكّرة رسمية إلى الخارجية البريطانية تعلمها بتكوين المحمية، والدوافع التي حدت بملك إسبانيا إلى الإقدام على هذه الخطوة، وكذلك خريطة مُرفقة بالحدود الدقيقة للمحمية لأخذها في الاعتبار في تسويات "مؤتمر برلين" (1884-1885). وحضرت محمية الصحراء أيضاً في قلب الاتفاق الفرنسي - الإسباني (27 حزيران/ يونيو 1900)، لتحديد الحدود بين ممتلكاتهما في غرب أفريقيا، وتمّ تبادل التصديق عليها في آذار/ مارس 1901.
بادر "الاتحاد الأفريقي"، منذ عام 2018، إلى تهميش حضوره في تناول مسألة الصحراء الغربية
وفي عام 1974، أعلنت إسبانيا عزمها عقْد استفتاء حول استقلال الصحراء الإسبانية، في النصف الأول من العام التالي (1975)؛ لكن مع سقوط نظام فرانكو، توجّهت قوات مغربية وموريتانية (1975-1976) إلى "الصحراء الإسبانية" للسيطرة عليها، فَمَا كان من "البوليساريو"، التي تشكّلت عام 1973، إلّا أن وجّهت بنادقها ضدّ هذه القوات، فيما تدفّقت أعداد كبيرة من السكان إلى معسكرات اللجوء في جنوب الجزائر.
وحثّت الحكومة المغربية بعد سيطرتها على الصحراء الإسبانية، نحو 200 ألف من مواطني المغرب على العمل والعيش في الإقليم الذي بات يُعرف بالصحراء الغربية، أو "الأقاليم الجنوبية"، بحسب حكومة الرباط منذ ذلك الوقت. وهدفت سياسة المغرب إلى تغيير الوضع الديموغرافي للإقليم، بالتعلّل بأن سياسة تنمية "الأقاليم الجنوبية" حقّ أصيل له.
لكنّ الصراع في الصحراء الغربية بين "البوليساريو"، ومَن تصفها الأخيرة بـ"قوات الاحتلال المغربية"، لم يحظَ باهتمام دولي كبير إلّا في منتصف الثمانينيات، خلال حضور الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، خافير بيريز، إحدى محادثات "منظمة الوحدة الأفريقية" وقتها (1985)، حيث حاول عقد اجتماع بين المغرب و"البوليساريو"، لكنه فشل بعدما رفضت الرباط الاعتراف بالجبهة "طرفاً في أيّ مفاوضات".
غير أن وساطة سعودية بقيادة الملك فهد بن عبد العزيز، أقنعت الطرفَين المغربي والجزائري بالجلوس إلى طاولة التفاوض، بحسب توصيات لجنة تقصٍّ أممية أُرسلت إلى الصحراء الغربية (نهاية عام 1987)، وأعدّت مسوّدة اقتراح بعنوان "مقترحات لتسوية مسألة الصحراء الغربية" موقّعة من قِبَل المبعوث الأممي، عيسى ديالو.
وعلى رغم فشل الوساطة السعودية في نهاية الأمر، قرّرت المنظمة الدولية تشكيل "قوّة مهامّ للصحراء الغربية" في حزيران/ يونيو 1989، بقيادة ديالو، لفرض عدّة أهداف: تحديد دور الأمم المتحدة في البعثة، السيطرة على وقف إطلاق النار، تحديد مناطق وجود الجيش المغربي، وتنظيم استفتاء مُقرّر بين "الاستقلال أو الاندماج" (في المغرب)، على أن تتولّى المنظمة التأكد من نزاهة العملية الانتخابية، وإعادة المهاجرين الصحراويين. لكنّ التسوية المأمولة لم تتمّ، على الرغم من استمرار عمل البعثة الأممية للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO) نحو ثلاثة عقود (منذ عام 1991)، فيما تقرّر الشهر الماضي تمديد فترة عملها، حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2026.
قرار مجلس الأمن: فرض "السلام الأميركي"
يتّضح من ترحيب الخارجية الأميركية بـ"التصويت التاريخي" في أزمة طال انتظار حلّها في الصحراء الغربية، وحفاوة واشنطن "بخلق الأمم المتحدة عهداً جديداً من السلام والازدهار" في الإقليم، اعتقاد الولايات المتحدة، التي قدّمت مشروع القرار، بقدرتها على فرض سياساتها وصفقاتها في مناطق النزاعات، وضمان إطلاق عمليات سياسية تضمن تحييد قوى إقليمية ودولية بعيداً من حدود نفوذها.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعتَي "زايد" و"القاهرة"، حمدي عبد الرحمن، أنه يمكن النظر إلى قرار مجلس الأمن، باعتباره "تحوّلاً استراتيجيّاً مهمّاً في التعاطي الدولي مع ملف الصحراء الغربية، بعد عقود من التجاهل أو المقاربة البالغة الحذر، كما ينبغي قراءته كانعكاس مباشر لإعادة صياغة واشنطن أولوياتها الجيوسياسية في المنطقة المغاربية والأفريقية".
وجاء القرار الأميركي، بدعم خطّة الحكم الذاتي المغربية كأساس لحلّ النزاع، ليترجم "منطقاً براغماتياً يرتكز على عدّة اعتبارات استراتيجية":
أولاً، تنظر السياسة الأميركية الحالية إلى المغرب على أنه "آخر حائط صدّ موثوق ضدّ الانهيار في الساحل"؛ ولذا، فهي تعتبر حلّ ملف الصحراء الغربية جزءاً من استراتيجية أوسع لتحقيق "السلام عبر الاستقرار" المغاربي، ما يعزز الدور الأميركي في مكافحة الإرهاب ويحافظ على نفوذ واشنطن في منطقة حيوية.
والجدير ذكره، هنا، أنه ورد في كتاب توبي شيلي الصادر قبل عقدين بعنوان "نهاية اللعبة في الصحراء الغربية" (2004)، حديث عن جهود المغرب لإبراز دوره الاستراتيجي في محاربة الإرهاب بالتعاون مع الولايات المتحدة. كما يلحظ عبد الرحمن ارتباطاً وثيقاً بين موقف واشنطن و"معادلة التطبيع"، إذ اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء (كانون الأول 2020)، في مقابل انضمام الأخير إلى "اتفاقات أبراهام".
ثانياً، ينطلق هذا النهج الدبلوماسي من منطق "الصفقات" الذي يحقّق مكاسب مباشرة للولايات المتحدة أو تموضعاً استراتيجيّاً عبر الحلفاء على المدى الطويل؛ إذ تتمثّل الفائدة الأميركية هنا في استقرار منطقة المغرب العربي وتوفير مزيد من الفرص الاستثمارية.
أمّا أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية في "جامعة القاهرة" والمدير الأسبق لـ"معهد الدراسات العربية"، فيشير إلى إشكالات "لا بدّ أن نأخذها في اعتبارنا"، إذ إن الموقف السابق للأمم المتحدة من قضية الصحراء الغربية (21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979) كان ينصّ صراحة على حقّ تقرير المصير لشعب الصحراء، ويدين احتلالها (من قبل المغرب). وبالتالي، فإن القرار الأخير يتعارض (في جوهره شكلاً ومضموناً) مع فكرة الحكم الذاتي، كما أن عدم تصويت الجزائر عليه يشير إلى رفضها إياه، ما يعني أنه "ستكون هناك إشكالية في التنفيذ، لأن هذا الأمر لا بدّ أن يتمّ بطريقة سلمية، وأن تقبله البوليساريو".
قرار مجلس الأمن: تصفية العمل الجماعي الأفريقي والعربي
بادر "الاتحاد الأفريقي"، منذ عام 2018، إلى تهميش حضوره في مسألة الصحراء الغربية، معلناً اصطفافه خلف العملية التي تقودها الأمم المتحدة. وكان القرار الأخير، بحسب مراقبين، خطوة غير مسبوقة تقتضي عدم مناقشة "مجلس السلم والأمن" في الاتحاد هذا الصراع، واكتفاءه بمتابعة جهود المنظمة الدولية عبر الترويكا الأفريقية، ومعها رئيس مفوّضية الاتحاد. ويتحدث يوسف أحمد عن وجود إشكالية أخرى، وهي أن "الجمهورية الصحراوية" عضو مُعترف به في "الاتحاد الأفريقي"، وبالتالي فإنه بعد قرار مجلس الأمن، يتم "إلغاء عضو من منظمة الاتحاد"، لأن الصحراء الغربية أصبحت "إقليم حكم ذاتي"؛ لتضاف سابقة أخرى من سوابق تخلخل العمل الجماعي الأفريقي وتآكل مفهوم "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية".
ويرى يوسف أحمد أن القرار لا يهدّد العمل الجماعي العربي في الأساس لأنه غير موجود، إذ إن هناك انقساماً عربيّاً بين مؤيّد للمغرب ومؤيّد للجزائر ومحايد، فيما تكمن المشكلة الحقيقية في أن القرار يمثّل تحدّياً صارخاً لـ"الاتحاد الأفريقي" "لأن المغرب والصحراء الغربية عضوان فيه". ويعزّز عبد الرحمن الملاحظة السابقة، بتأكيده وجود حالة انقسام واضحة في أفريقيا، وتراجع مبدأ حلول أفريقية، خصوصاً أن الحلّ جاء من واشنطن وعواصم غربية.
أمّا في العالم العربي، فهناك حالة من الصمت المدوّي لـ"الجامعة العربية"، وهو ما يُؤكد انتهاء عصر التضامن العربي التقليدي وبداية عصر "المصالح الوطنية الضيقة". وعلى المدى الطويل، "سنشهد تآكل الثقة في المنظمات الإقليمية، وتفكُّك الإجماع القاري، وتكريس منطق المعسكرات، وفتح الباب أمام تدخّلات خارجية أكبر في الشؤون الأفريقية والعربية". كذلك، يشير عبد الرحمن إلى احتمالات احتدام صراع داخلي في الجزائر بين الجناحَين السياسي والعسكري حول إدارة الأزمة، ولا سيما عند ملاحظة أن الجزائر لم تصوّت على القرار اعتراضاً عليه من حيث المبدأ.
ويضيف أن الجزائر ربّما تسعى إلى البحث عن دعم من دول ممتنعة (روسيا، الصين) أو دول أفريقية أخرى (ولا سيما جنوب أفريقيا التي بادرت قيادتها إلى إجراء اتصالات بحكومة الجمهورية الصحراوية مطلع الجاري) لإعادة التوازن في المواقف، مع الحفاظ على الموقف المبدئي في الدفاع عن حقّ تقرير المصير نظرياً، علماً أن التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، عكست محاولة إعادة إدماج الجزائر في العملية؛ بعدما أكّد أن واشنطن تعمل "بشكل مكثّف" مع كلا الطرفين، إنما ضمن إطار القرار الجديد.
