أميركا تجرّب المجرّب: مساعٍ لـ«شرعنة» ضرب فنزويلا
تكشف تحركات واشنطن سعيها لإضفاء شرعية على استهدافها المرتقب لكاراكاس، على الرغم من التحذيرات من تكرار المحاولات الأميركية السابقة للإطاحة بالأنظمة.


بالتزامن مع صدور إشارات من الولايات المتحدة حول عدم وجود نية فعلية لشنّ ضربات داخل الأراضي الفنزويلية، اتخذت إدارة دونالد ترامب، في الأيام الماضية، جملة من الخطوات التي تمهّد الطريق لمثل ذلك السيناريو، «وتشرعن» استهداف دولة أجنبية، في محاولة متجدّدة للإطاحة بنظامها، قد تأتي، مرة أخرى، بنتائج عكسية. وكانت النوايا الأميركية في التضييق على الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وإجباره على التنحي، قد أخذت تتمظهر بشكل فاضح أخيراً؛ إذ إنه بعد أسبوعين من بدء استهداف السفن التي تقول واشنطن إنها تابعة لـ«كارتيلات النفط»، ضاعفت الإدارة الأميركية المكافأة المخصصة لـ«الحصول على رأس» مادورو، من 25 مليون دولار إلى 50 مليون دولار. وسبق أن اعترف ترامب، في 15 تشرين الأول، بأنه سمح لـ«وكالة المخابرات المركزية» بإجراء عمليات سرية في فنزويلا، مشيراً إلى أن بلاده بدأت تتطلع حالياً «إلى البر»، بعد إحكام سيطرتها على «البحر»، فيما كان المسؤولون الأميركيون واضحين في أن الهدف النهائي من مثل تلك الخطوات يتمثل في «إبعاد مادورو عن السلطة».
ورغم تأكيد مسؤولين في الإدارة، أخيراً، أن الولايات المتحدة لا تخطط، حالياً، لشن ضربات داخل فنزويلا، بذريعة عدم «وجود مبرّر قانوني يسمح بمهاجمة أي أهداف برية في الوقت الراهن»، وذلك عقب إصدار مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل قراراً مفاده أن الضربات ضد قوارب يُشتبه باستخدامها لتهريب المخدرات، لا تجيز تنفيذ عمليات داخل فنزويلا أو أي أراضٍ أخرى، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر مطلعة قولها إن «وزارة العدل تعمل على إيجاد مبرر قانوني يسمح لترامب باستهداف الزعيم الفنزويلي كجزء من عملية عسكرية»، وإن «بعض أعضاء النخبة الأمنية في البلاد قد يلجأون إلى الانقلاب على مادورو والإطاحة به كخطوة أولية»، في وقت تحرص فيه الإدارة على البقاء على «اتصال بالمعارضة الفنزويلية».
وتُرجمت الاتصالات المشار إليها، على ما يبدو، بإعلان زعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا كورينا ماتشادو، الأربعاء، في حديث عن بعد إلى منتدى أعمال في ميامي حضره ترامب شخصياً، أنه «يجب على مادورو أن يفهم أن الساعات تنفد»، وأنه «إذا قبل مادورو التحول، فسوف يرحل بشكل منظم وأكثر سرعة، إلا أن هذا سيحدث بغض النظر عما يفعله».
مع هذا، سرت معلومات عن أن ساكن البيت الأبيض أعرب، أخيراً، عن «تحفظاته» لكبار مساعديه بشأن شن عمل عسكري للإطاحة بالرئيس الفنزويلي، وذلك على خلفية مخاوف من «أن الضربات قد لا تجبر المستبد على التنحي»، على حدّ تعبيره. لكن التحفظ المشار إليه عاكسته عرقلة الجمهوريين في «الشيوخ»، الأسبوع الجاري، قراراً قدّمه السيناتور الديموقراطي، تيم كين، يهدف إلى تقييد صلاحيات ترامب في تنفيذ ضربات عسكرية ضد فنزويلا من دون تفويض من الكونغرس.
تاريخ «أسود»
هكذا، تحول ما بدأ في شهر أيلول بضربات جوية محدودة استهدفت قوارب في الكاريبي، خلال شهرين، إلى حملة أوسع يَظهر أنها تستهدف الإطاحة بالرئيس الفنزويلي، خصوصاً عقب نشر واشنطن 10 آلاف جندي، وعدداً من السفن الحربية والغواصات، جنباً إلى جنب إرسال قاذفات استراتيجية للتحليق قرب السواحل الفنزويلية، ومجموعة حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى المنطقة. وعلى خلفية ذلك، نشرت مجلة «فورين أفيرز» تقريراً ذكّرت فيه بتجارب واشنطن «الفاشلة» في الإطاحة بالأنظمة الأجنبية، داعية إلى استكمال المسار الديبلوماسي الذي كانت كاراكاس «تستجيب» له بالفعل.
وطبقاً لمعدّ التقرير، فإن التطورات الأخيرة تعكس «تحوّلاً» في سياسة الإدارة تجاه فنزويلا؛ ففي بداية عام 2025، كان هناك جدل بين فريق يريد التفاوض مع مادورو بقيادة المبعوث الخاص ريتشارد غرينيل، وآخر يدفع نحو تغيير النظام بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو. وفيما نجح غرينيل، بدايةً، في التوصل إلى اتفاقات مع مادورو تتعلق بالسماح للشركات الأميركية بالعمل في قطاعي النفط والمعادن الفنزويليين، مقابل إجراء إصلاحات اقتصادية وإطلاق سراح معتقلين سياسيين، إلا أنه بحلول منتصف تموز، استعاد روبيو زمام المبادرة عبر إعادة تصوير مادورو كتهديد للأمن القومي الأميركي، واتهامه إياه بقيادة «إرهاب المخدرات» والهجرة غير الشرعية، وربطه بعصابة «ترين دي أراغوا». وعلى ما يبدو، أقنعت الحجة الأخيرة ترامب.
تعمل وزارة العدل على إيجاد مبرر قانوني يسمح لترامب باستهداف مادورو
على أنه طبقاً للتقرير، وسواء أكانت سرية أم علنية، فإن أي محاولة لتغيير النظام في فنزويلا سوف تواجه تحديات هائلة؛ إذ إن الأساليب السرية في كثير من الأحيان تفشل أكثر مما تنجح، ومن غير المرجح أن تفلح التهديدات باستخدام القوة أو الضربات الجوية في إجبار مادورو على «الفرار». وحتى لو نجحت واشنطن في الإطاحة بالرئيس الفنزويلي، فإن لعبة تغيير النظام ستظلّ على المدى الطويل محفوفة بالمخاطر، ولا سيما أن تبعات مثل هذه العمليات كانت تاريخياً عنيفة وفوضوية.
وبعدما كانت إدارة ترامب تمتلك خيارات سرّية للإطاحة بمادورو، فإن الإعلان الفعّال عن هذه الخطط ألغى ميزة العمل السري، مما يزيد التكاليف السياسية والعسكرية ويقلل قدرة واشنطن على التحكم في الأحداث ميدانياً. وحتى لو بقيت العملية سرية، فإن سجلّ الولايات المتحدة في هذا النوع من التدخلات لا يبشر بالنجاح. إذ أظهرت دراسة عام 2018، للباحث بي جي أوروك، أن الدعم السري للمعارضين الأجانب أدى إلى إسقاط الأنظمة في حوالى عشرة بالمئة فقط من الحالات. كما كانت محاولات الاغتيال تفشل غالباً، على غرار ما حصل مع فيدال كاسترو في كوبا. وفي حين نجحت الانقلابات أحياناً في إرساء حكومات مدعومة أميركياً، مثلما حصل في إيران (1953) وغواتيمالا (1954)، فإنها لم تُفضِ إلى استقرار طويل الأمد. وبالنظر إلى أن مادورو عزّز إجراءات «منع الانقلاب» داخل القوات المسلحة الفنزويلية، تبدو فكرة نجاح انقلاب هناك أقل واقعية.
وطبقاً للمصدر نفسه، جُرِّبت بعض هذه الأساليب سابقاً في فنزويلا وفشلت، على غرار ما حصل عام 2019، عندما اعترفت الولايات المتحدة بزعيم المعارضة، خوان غوايدو، رئيساً مؤقتاً ودعمت انتفاضة ضد نظام مادورو، قبل أن تفشل المحاولة عقب رفض الجيش الانشقاق. وفي عام 2020، حاول نحو 60 معارضاً فنزويلياً، مع عدد من المتعاقدين الأميركيين، تنفيذ عملية إنزال بحري للقبض على مادورو، تحت مسمى «عملية غدعون»، ولكنها أُحبطت بسرعة من قبل القوات الأمنية الفنزويلية.
أيضاً، تُبيّن التجارب التاريخية أن محاولات تغيير الأنظمة سراً، عندما تفشل، تؤدي عادةً إلى تفاقم الأوضاع، وذلك على خلفية تدهور العلاقات بين الدولة المتدخلة والدولة المستهدفة، وارتفاع احتمال المواجهة العسكرية بينهما، فضلاً عن احتمال اندلاع العنف أو حتى الحرب الأهلية داخل البلد المستهدف. ولطالما تدخلت الولايات المتحدة سراً في سياسات الدول الأخرى، بحسب التقرير، خصوصاً في القارة اللاتينية. فخلال الحرب الباردة، حاولت تنفيذ ما لا يقل عن 18 عملية تغيير نظام في المنطقة، بما فيها في غواتيمالا عام 1954، عندما أطاحت بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً، ما أسفر عن إرساء حكم عسكري وحرب أهلية استمرت 36 عاماً، راح ضحيتها نحو 200 ألف شخص.
الخيارات المطروحة
إلى جانب محاولة ترهيب مادورو لحمله على ترك السلطة من خلال التهديد باستخدام القوة، والتي قد «تفشل» على الأرجح، يرى أصحاب الرأي المتقدم أن الخيار الثاني الذي قد تلجأ إليه واشنطن هو استخدام القوة الجوية، مشيرين إلى أنه نظرياً، يمكن للضربات الجوية أن تطيح بالنظام من خلال قتل القادة، أو تعطيل قدرة الجيش، أو تحفيز انقلاب عسكري أو انتفاضة شعبية. بيد أنه عملياً، لم تنجح الولايات المتحدة يوماً في إسقاط قائد أجنبي بالقوة الجوية وحدها.
وعليه، يبقى الخيار الأخير هو غزو فنزويلا برياً؛ على أن القوات الأميركية المنتشرة حالياً غير كافية لهذه المهمة. فقد قدّر «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، في أوائل تشرين الأول، أن الغزو يحتاج إلى ما لا يقلّ عن 50 ألف جندي - مع التذكير بأن الولايات المتحدة فشلت في السيطرة على العراق، الذي يقدر حجمه بنصف حجم فنزويلا، رغم نشر أكثر من ثلاثة أضعاف هذا العدد من الجنود هناك عام 2003 -. كما إنه في حال لجأ ترامب إلى مثل هذه الخطوة، فهو سيناقض خطابه المتكرر الرافض للتدخلات العسكرية الخارجية، مما قد يثير غضب قاعدته الشعبية. وبناءً على ما تقدم، يستبعد معظم المحللين سيناريو الغزو، ويرجحون بدلاً منه حملة محدودة من الضربات الجوية.
وفي حين قد يجادل البعض بأن تغيير النظام في فنزويلا مبرَّر بسبب المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة المتعلقة باحتياطيات النفط الفنزويلية، وهي الأكبر في العالم، إلا أن اللافت أن المفاوضات كانت تحقق نتائج ملموسة في هذا الاتجاه. فبحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» في تشرين الأول، عرض مادورو خلال الصيف «فتح جميع مشاريع النفط والذهب الحالية والمستقبلية أمام الشركات الأميركية، ومنحها العقود التفضيلية، وتحويل صادرات النفط من الصين إلى الولايات المتحدة، وتقليص العقود مع الشركات الصينية والإيرانية والروسية»، في واحد من أكثر العروض «سخاءً» التي يقدمها خصم لواشنطن منذ عقود. ويخلص التقرير إلى الإشارة إلى أنه في حال كان الهدف هو حماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، فإن العودة إلى طاولة المفاوضات أفضل بكثير من الفوضى التي ستنتج من محاولة تغيير النظام بالقوة.
