
كلّما تقدّم الصراع الإيراني - الأميركي، تأكّد اكتسابه طابعاً وجودياً؛ وهو ما بدأت جذوره مع انطلاق الثورة الإسلامية في إيران، وامتدّت مع ما يُعرف بحادثة احتلال السفارة الأميركية في طهران عام 1979 (أزمة الرهائن)، والتي أضحت قاعدة ثابتة يمكن أن تُفسِّر جميع التفاعلات اللاحقة، بما في ذلك الموقف الإيراني الرافض للمفاوضات المباشرة والموسّعة حول الملفّ النووي. والواقع أن هذا الرفض ليس مجرّد مناورة تكتيكية، بل هو نتاج «انعدام ثقة هيكلي» تُغذّيه عقود من التدخّلات والتجارب الفاشلة، فيما يمكن وضع إلحاح الولايات المتحدة عليه، في إطار ما يُعرف بـ»الدبلوماسية القسرية»، كونه يتساوق مع حملة «الضغط الأقصى» الأميركية على الجمهورية الإسلامية.
ويهدف هذا النهج المزدوج إلى دفع إيران إلى طاولة التفاوض من موقع ضعف، وذلك لإجبارها على قبول مطالب أميركية تتجاوز ملفّها النووي، إلى برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي، في ما يمثّل خطّاً أحمر بالنسبة إلى طهران، لارتباط الملفّيْن المذكوريْن بـ»أمنها القومي» و»قدرتها على تحقيق الاستقلال»، الذي هو الركن الأول للثورة. ومن وجهة نظر المحلّلين في طهران، فإن واشنطن ترمي أيضاً، من خلال التركيز على المفاوضات، إلى إيصال رسالة إلى الداخل الإيراني بأن الحلّ الوحيد للمشاكل الاقتصادية، هو التسوية معها، ما يزيد بدوره من حدّة الضغط الداخلي على الحكومة، خصوصاً في ظلّ ما يبرزه الأميركيون من «حسن نيّة» ظاهري، كطرف يسعى إلى السلام والدبلوماسية، مقابل تصوير إيران على أنها الطرف الرافض لـ»فرصة السلام».
في المقابل، فإن مردّ الرفض الإيراني للمفاوضات المباشرة والموسّعة، والذي يكرّره المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي وأركان النظام الإسلامي كافة، إلى خبرة تاريخية مريرة تؤكّد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى التوصّل إلى تسوية، بل إلى تغيير النظام الإيراني نفسه. ولعلّ من أبرز ما تحمله تلك الخبرة من محطات، ما يُعرف إيرانيّاً بـ»انقلاب 28 مرداد» (انقلاب الـ19 من آب 1953)، حيث شكّل الدور المركزي لواشنطن في إطاحة رئيس الوزراء محمد مصدق، ودعم نظام الشاه بهلوي، أساساً لاقتناع قيادة الثورة بأن أميركا هي «القوة الإمبريالية المستكبرة وداعمة التبعية». بعدها، جاء اقتحام السفارة الأميركية (تشرين الثاني 1979)، ليمثل ردّ فعل حاسماً على تراكم التدخّلات الأميركية وانتهاكها سيادة إيران، خاصة مع استقبال واشنطن للشاه المخلوع، والذي فُسِّر باعتباره تهديداً بإعادة سيناريو الانقلاب. أمّا أحدث تجارب انعدام الثقة، فتجسّدت في الاتفاق النووي لعام 2015، والانسحاب الأميركي منه عام 2018، إبان فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، والذي عدّته طهران ذروة «تجربة الفشل»، ورسّخ قناعة لديها بأن واشنطن لا تلتزم بتعهّداتها.
المشكلة الأميركية هي في أصل النظام، وهي مشكلة جوهرية ومبدئية، وليست مجرّد ملف فرعي كالنووي
هكذا، وفي سياق الأحداث المتتالية، صار واضحاً أن الولايات المتحدة استهدفت إيران بعد الثورة بمسارَيْن رئيسَيْن: الأول، اعتماد استراتيجية «الانهيار» أو «التغيير»، حيث تمّ استخدام مجموعة أدوات واسعة من العقوبات الأحادية التي تُعتبر عقاباً جماعيّاً للشعب الإيراني لإيجاد شرخ بين النظام وقاعدته الجماهيرية، ودعم الجماعات المناهضة للثورة، والحرب الإلكترونية والتجسّس والكثير من الأساليب الدعائية والتحريضية، داخلياً وعلى مستوى دول الجوار. أمّا المسار الثاني، فتمثّل في المواجهة العسكرية المباشرة، وتجلّى في دعم نظام صدام حسين خلال حرب السنوات الثماني، مروراً بإسناد جماعات مسلحة معارضة منتشرة في المحافظات الحدودية مع باكستان وكردستان العراق، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر والانتقال من «الحروب الناعمة» إلى «الحرب العسكرية بقوّة النار»، بما يشمل تفعيل الآلة العسكرية الإسرائيلية تحت غطاء «تهديد الأمن الإسرائيلي والإقليمي».
على هذه الخلفية، تأتي مواقف القيادة الإيرانية المتشدّدة حيال المفاوضات مع أميركا، إنْ كان بشكل مباشر أو عبر وسطاء، لتؤكد أن أيّ عملية تفاوض محتملة يجب أن تكون «في شأن الملف النووي فقط»، من دون توسيعها لتشمل القضايا الصاروخية والإقليمية. فإيران على يقين بأن المشكلة الأميركية هي في أصل النظام، وهي مشكلة جوهرية ومبدئية، وليست مجرد مسألة ملف فرعي كالبرنامج النووي. لذلك، فإن التفاوض الشامل يُعتبر تضييعاً للوقت، ولا يؤدّي إلى حلّ؛ إذ إن ما بين البلدين ليس نزاعاً يمكن حلّه بـ»تسوية دبلوماسية»، بل هو صراع على أصل وجود إيران كقوّة مستقلّة ترفض الهيمنة وتتبنّى خطاباً مناهضاً للولايات المتحدة في المنطقة، ما يعني أن الملف النووي أو الصاروخي أو غيرهما، ليست إلا أدوات لإدارة صراع أعمق.
وإذ ترى القيادة الإيرانية أن أيّ محاولة أميركية لـ»الاحتواء» أو «التغيير»، تهدف، في نهاية المطاف، إلى تقويض السيادة الوطنية، فإن ذلك يزيدها تمسُّكاً بـ»نهج المقاومة»، باعتباره ضرورة وجودية لضمان بقاء الدولة. وعليه، فإن إيران لن تعود إلى طاولة المفاوضات وهي تحت الضغط، وما لم تُقدِّم الولايات المتحدة ضمانات ملموسة وقوية بخصوص الالتزام بالاتفاق والإلغاء الفعّال للعقوبات، وتتخلّى عن محاولة توسيع نطاق التفاوض ليشمل القضايا الاستراتيجية الأخرى. على أن ذلك يبدو صعب التحقُّق في ظلّ استمرار الصراع الوجودي، وتسارع المتغيّرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة والعالم.

