تحذيرات فنزويلية من «غزّة أخرى»: أميركا تقترب من التورّط العسكري
في موازاة حشد عسكري هو الأضخم منذ عقود في الكاريبي، أعلن الرئيس الأميركي أنه «اتّخذ قراراً» لم يفصح عن فحواه في شأن الخطوة التالية في فنزويلا، التي ردّت بدورها بإطلاق التعبئة الشاملة.


لندن | دخل التصعيد الأميركي ضدّ فنزويلا مرحلةً جديدة خطيرة، مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنه «اتّخذ قراراً نوعاً ما» في شأن مسار العمل الذي ستتّبعه إدارته تالياً. ويأتي هذا القرار الغامض تزامناً مع استمرار أضخم حشد عسكري أميركي في منطقة البحر الكاريبي منذ عقود، وهو ما ردّت عليه كاراكاس بإطلاق «تعبئة شاملة» لقواتها.
وإذ يجيء هذا التحشيد قبالة السواحل الفنزويلية، الذي أطلقت عليه واشنطن تسمية «عملية الرمح الجنوبي» (Operation Southern Spear)، بزعم «تعطيل الإتجار غير المشروع بالمخدّرات»، وفق ما تقوله وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، فإن خبراء، بمن فيهم أميركيون، اعتبروا أن حجم القوّة التي دفعت بها الإدارة إلى المنطقة ونوعيتها، يدلان على ما هو أكبر بكثير من الغاية المُعلنة لنشرها؛ إذ وصف بعضهم الخطوة بأنها «غير مسبوقة» و»الأكبر في هذا القرن»، فيما شبّهها آخرون بالتحضيرات التي سبقت غزو بنما عام 1989.
وكانت حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» الأضخم والأحدث في العالم، والتي تعمل بالطاقة النووية، رفقةَ مجموعتها القتالية الكاملة، آخر الإضافات إلى أسطول بات يضمّ أكثر من 12 سفينة حربية، بما في ذلك مدمّرات صواريخ موجّهة، وطرادات، وغواصة هجومية نووية، وسفن هجوم برمائية تحمل على متنها الآلاف من «المارينز» من وحدة المشاة البحرية الاستكشافية الـ22. كما نشرت واشنطن 10 طائرات مقاتلة شبحية من طراز «إف-35» في بورتوريكو المجاورة، حيث أعاد الجيش الأميركي فتح قاعدة «روزفلت رودز» البحرية المُغلقة منذ عام 2004، لتكون مركزاً لوجستيّاً للعمليات.
ولم يقتصر الأمر على التحشيد العسكري؛ إذ سبقته، منذ أيلول الماضي، عمليات نفّذتها القوات الأميركية ضد قوارب يُزعم أنها تُستخدم لتهريب المخدّرات في المياه الدولية قبالة فنزويلا، ما أسفر عن مقتل حوالى 80 شخصاً في عمليات «قتل خارج القانون» أثارت إدانات دولية. ومن أبرز الردود الإقليمية وقتذاك، الموقف الذي اتّخذه الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، الذي أمر بوقف تبادل المعلومات الاستخبارية مع الولايات المتحدة، احتجاجاً على «انتهاكات حقوق الإنسان» في الكاريبي.
وبالعودة إلى ترامب، فهو أدلى بتصريح إلى الصحافيين، الجمعة الماضي، قال فيه: «لقد اتّخذت قراري نوعاً ما... لا أستطيع إخباركم بفحواه، لكنني فعلت». وجاء تصريحه هذا في أعقاب اجتماعات رفيعة المستوى في البيت الأبيض، حضرها وزيرا الحرب بيت هيغسيث، والخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين. ووفقاً لمصادر مطّلعة، عرض العسكريون أمام ترامب، مجموعة واسعة من الخيارات، تتجاوز الحصار البحري، لتشمل توجيه ضربات ضدّ أهداف عسكرية أو حكومية أو منشآت يُزعم استخدامها في إنتاج الكوكايين وطرق للتهريب داخل فنزويلا؛ كما قدّموا اقتراحات لاستهداف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو.
شبّه البعض الحشد العسكري في الكاريبي بالتحضيرات التي سبقت غزو بنما عام 1989
وعلى الرغم من أن الإدارة تدافع عن سلطتها في ملاحقة «الإرهابيين مهرّبي المخدّرات»، إلّا أن هذه الخطط تواجه جدلاً قانونيّاً وسياسيّاً متزايداً في واشنطن. وجلّى ذلك فشل تصويت إجرائي حديث في مجلس الشيوخ كان يهدف إلى فرض شرط الحصول على موافقة الكونغرس لأيّ عمل عسكري مباشر، ما يعكس الانقسام العميق حول سلطات الرئيس التنفيذية في شنّ أعمال عدائية غير مُعلنة.
وفي مواجهة التصعيد الأميركي، أعلنت الحكومة البوليفارية إطلاق «خطّة الاستقلال 200»، الهادفة إلى تعبئة شاملة للجيش النظامي والميليشيات شبه العسكرية العالية التدريب، بما يستتبع تأهب 200 ألف جندي. وكانت كاراكاس استدعت كذلك قوات شعبية يُقدّر تعدادها بمليون مقاتل على الأقل، وينفّذ بعضها انتشاراً ملحوظاً في الأحياء الحضرية عبر البلاد. وفي خطاب يعكس حالة التأهّب القصوى، ندّد مادورو بتدريبات عسكرية يجريها الجيش الأميركي في ترينيداد وتوباغو المجاورة، ووصفها بأنها «استفزاز عسكري» و»حرب إجرامية»، محذّراً من أن أيّ تدخُّل عسكري أميركي سيؤدي إلى «غزة أخرى» أو «أفغانستان جديدة» أو «فييتنام ثانية» في أميركا الجنوبية. ووجّه رسالة مباشرة إلى الأميركيين، قائلاً: «أوقفوا اليد المجنونة لأولئك الذين يأمرون بالقصف والقتل وجلب الحرب... أوقفوا الحرب. لا للحرب».
وفي استعراض للدعم الداخلي، شارك مادورو (الخميس) في مسيرة في وسط كاراكاس مع عشرات الآلاف من أعضاء «لجان الشباب المجتمعي»، لدعم الاستشارات الشعبية القادمة (تصويت محلي على المشاريع) المُقرّرة في الـ23 من الشهر الجاري، وذلك في إطار ما يُعرف بنظام «الديمقراطية التشاركية» الذي تتبنّاه الحكومة البوليفاريّة.
في المقابل، رحّبت زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، التي مُنحت أخيراً جائزة «نوبل» للسلام، بالحشد العسكري الأميركي ضدّ بلادها. وفي رسالة صوتية، دعت المعارِضة المدعومة من الاستخبارات الأميركية، أفراد الجيش البوليفاري إلى الانشقاق، واصفةً نظام الرئيس مادورو بأنه «تهديد حقيقي للأمن القومي للولايات المتحدة».
وبعيداً من مواقف طرفَي المواجهة، تكاد التحليلات تُجمع على أن إزاحة مادورو بالقوّة قد لا تؤدّي إلى انتقال سلس للسلطة إلى المعارضة وفق ما ترغب به واشنطن؛ إذ إن ذلك سيترك «فراغاً» تتنافس عليه فصائل عسكرية مختلفة أو جماعات مسلّحة، ما يمكن أن يقود إلى حرب أهلية مدمّرة وفوضى تتوسّع نحو كولومبيا المجاورة. ويذهب منتقدو سياسة «الضغط الأقصى»، ومن بينهم مسؤولون سابقون في «البنتاغون»، إلى ما هو أبعد من مجرّد التحذير من «حرب أهلية»، منبّهين إلى خطورة «التدمير الكامل للمجتمع الفنزويلي»، وإنتاج دولة فاشلة كما في سيناريوات العراق وليبيا وسوريا.
كذلك، تشير تقديرات دبلوماسيين غربيين إلى أن المعارضة في فنزويلا، ونظراً إلى انقساماتها وافتقارها إلى سيطرة عسكرية على الأرض، ستحتاج إلى دعم أميركي مُستدام، وربّما قوات على الأرض لسنوات، وهو ما من شأنه أن يورّط الأميركيين في مستنقع حرب استنزاف طويلة لا ترضى عنها قطاعات عريضة محتملة من داخل قاعدة ترامب الانتخابية، التي صوّتت له ليبقى خارج الصراعات الخارجية المكلفة.
