الأرقام تدحض دعاية الإنجيليين | مأساة نيجيريا: ما الذي أيقظ ترامب؟
يفضح استخدام ترامب دعايةَ الإنجيليين في ملف نيجيريا تلاعبَه بالأرقام لإشعال خطاب طائفي يخدم أجندته اليمينية.


شهدت نيجيريا، خلال العامين الأخيرين، تصاعداً غير مسبوق في نشاط الجماعات الجهادية، وعلى رأسها «بوكو حرام» والفصيل المنشقّ عنها؛ «داعش ولاية غرب أفريقيا». لكنّ الأمر بدا «عادياً» ومفهوماً، تبعاً لسنوات طويلة من نشاط هذه الجماعات في المنطقة، قبل أن يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فجأةً، تهديدات حادّة ضدّ الحكومة النيجيرية، متّهماً إيّاها بـ«التغاضي» عن «الجرائم ضد المسيحيين». وأعادت تهديدات ترامب تسليط الضوء على الواقع الأمني والسياسي في نيجيريا - التي ينقسم سكانها المئتا مليون بين مسلمين ومسيحيين، مناصفة تقريباً -، في وقت بدت فيه مدفوعةً بسعي ساكن البيت الأبيض لترضية فئة ممن يمثّلون قاعدته الانتخابية الصلبة، من المسيحين الإنجيليين، تروّج لـ«إبادة جماعية» تُرتكب ضد المسيحيين في نيجيريا. على أن تلك التهديدات عُدّت أيضاً جزءاً من سياسة ترامب القائمة على التهديد والوعيد ورفع السقف، وذلك تمهيداً لتحصيل مكاسب سياسية واقتصادية، خصوصاً أن الحديث هنا يجري عن بلاد تعوم على بحر من النفط والثروات الطبيعية المختلفة.
خارطة التنظيمات الجهادية
تطوّرت خارطة التنظيمات الجهادية في نيجيريا منذ مطلع الألفية، حين تأسّست «بوكو حرام» بقيادة محمد يوسف، قبل أن تتحوّل إلى حركة مسلّحة بعد مقتله عام 2009. وفي عام 2015، أعلن زعيمها آنذاك، أبو بكر شيكاو، مبايعته تنظيم «داعش»، ما أدّى إلى انقسام داخلها انتهى بتشكّل جناحين رئيسيين عام 2016: فصيل «بوكو حرام» بقيادة شيكاو، و«داعش ولاية غرب أفريقيا» بقيادة أبي مصعب البرناوي. وبعد مقتل شيكاو في عام 2021، تفتّت فصيله إلى مجموعات صغيرة أبرزها جماعة «باكورا»، فيما عزّز فصيل «داعش» موقعه كأقوى تنظيم مسلّح في البلاد.
وفي موازاة ذلك، تنشط في شمال غرب نيجيريا، جماعات مسلّحة تُعرف باسم «قطّاع الطرق»، وهي تنظيمات يغلب عليها الطابع الإجرامي، لكنها تنسّق أحياناً مع الفصائل الجهادية في مجالات من مثل الخطف والتهريب. على أنه فضلاً عن تلك الأبعاد، تُضيف النزاعات الإثنية في منطقة «الحزام الأوسط» – ولا سيما بين رعاة الفولاني (غالبيتهم مسلمون) والمزارعين المحليين (غالبيتهم مسيحيون) – بُعداً اجتماعياً وطائفياً إلى واقع المنطقة.
تصعيد ترامب لخطابه تجاه نيجيريا يعكس اعتبارات سياسية وانتخابية داخلية
ودفع هذا الواقع الأمني المتدهور، الحكومة النيجيرية إلى اعتماد حزمة واسعة من التدابير العسكرية والسياسية، تَمثّل جانب منها في شنّ عمليات برية وجوّية مكثّفة. على أن الشهور الأخيرة كشفت عن ثغرات في استراتيجية «السوبر كامب»، التي اعتمدها الجيش النيجيري، وهي عبارة عن تكتيك الانسحاب من الأرياف والتمركز في قواعد كبيرة، ما أتاح لتنظيم «داعش ولاية غرب أفريقيا» استغلال الفراغ الأمني وتوسيع رقعة نفوذه، وصولاً إلى مهاجمة تلك القواعد نفسها، وهو ما اضطر المؤسسة العسكرية الرسمية إلى إعادة النظر في تكتيكاتها.
وإلى جانب ذلك، واصلت نيجيريا التنسيق ضمن «القوة المشتركة المتعددة الجنسيات» مع دول حوض بحيرة تشاد. كما فعّلت برامج عفو وإعادة تأهيل من مثل «الممر الآمن» و«مبادرة بورنو النموذجية» لإعادة دمج المنشقّين عن التنظيمات الجهادية.
الأرقام تفنّد ادّعاءات ترامب
مع ذلك، لم تشكّل الحالة النيجيرية – التي تشبه حالات أخرى في محيطها وتتقاطع معها - محور اهتمام دولي بالغ؛ كما لم تُسجّل فيها تحوّلات فارقة خلال سنوات طويلة. لكنّ هذا الوضع تبدّل مع إطلاق ترامب، الشهر الماضي، تهديدات مباشرة تجاه الحكومة النيجيرية، بزعم أنها «تتغاضى» عن «مجازر ضدّ المسيحيين»، وتوعّده إياها بعمل عسكري «سريع» ووقف كل أشكال الدعم الأميركي إذا لم تُتّخذ إجراءات صارمة. وتبنّى هذه التصريحات عدد من النواب الجمهوريين، من أبرزهم رايلي مور وكريس سميث، إضافة إلى السيناتور تيد كروز، الذين اتهموا أبوجا بالتقاعس عن حماية المسيحيين، مطالِبين بإعادة إدراج نيجيريا على قائمة «الدول المثيرة للقلق في مجال الحريات الدينية».
كذلك، تبنّى الخطاب نفسه عدد من النواب اليمينيين المتطرّفين في أوروبا، ومنظمات دينية من مثل «الأبواب المفتوحة»، التي ادّعت أن 89% من المسيحيين الذين قُتلوا حول العالم عام 2023 هم من نيجيريا؛ علماً أن هذه المزاعم تستند إلى بيانات غير دقيقة وغير موثّقة، لكنها وجدت صدىً لدى فئة الإنجيليين المحافظين في الولايات المتحدة. كما روّج للرواية عينها انفصاليون نيجيريون من «جمهورية بيافرا» السابقة، وعلى رأسهم سيمون إيكبا (ناشط انفصالي نيجيري من أصول إيغبو يحمل الجنسية الفنلندية)، الذي كلّف «جماعة ضغط» في واشنطن – يديرها النائب السابق جيم موران – بالدفاع عن أهداف جماعته الانفصالية واتهام الدولة النيجيرية بـ«اضطهاد المسيحيين».
في المقابل، يشكّك مراقبون في صدقية تلك الادّعاءات؛ إذ وصف الباحث في مؤسسة «أكليد» الأميركية، لاد سروات، عنف الجماعات المسلّحة في نيجيريا بأنه «أعمى»، ويستهدف المسلمين والمسيحيين على حدّ سواء. وأظهرت بيانات المؤسّسة أنه منذ عام 2009، قُتل أكثر من 52 ألف مدني من المسلمين والمسيحيين على السواء. وبين عامي 2020 و2025، سُجّلت 389 حالة عنف استهدفت مسيحيين، وأسفرت عن 318 قتيلاً، في مقابل 197 هجوماً طاولت مسلمين، وأدّت إلى مقتل 418 شخصاً. ويشير ذلك إلى شبه تساوٍ في أعداد الضحايا بين المسلمين والمسيحيين.
لكنّ تصعيد ترامب لخطابه تجاه نيجيريا يعكس اعتبارات سياسية وانتخابية داخلية؛ إذ يسعى الرئيس الأميركي إلى استرضاء قاعدته اليمينية المسيحية المتشدّدة من خلال تبنّي خطاب «حماية المسيحيين المضطهدين في الخارج». وكانت دأبت الصحافة اليمينية على الترويج لرواية «الإبادة الجماعية» بحقّ المسيحيين، مستندة إلى بيانات مضخّمة من مثل تلك التي نشرتها صحيفة «نيويورك بوست»، قبل أسابيع فقط، نقلاً عن أساقفة إنجيليين، زعمت فيها مقتل أكثر من 7 آلاف مسيحي خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، وهو ما يفتقر إلى المصداقية ويخدم أغراضاً دعائية محضة.
وفي السياق نفسه، أوضح الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، كاميرون هدسون، أن «تصريحات ترامب تنبع من ضغوط قاعدته اليمينية المعروفة باسم MAGA، وتستهدف تعبئة قاعدته الانتخابية أكثر من كونها مدفوعة بجهود فعلية لمحاربة الإرهاب». والجدير ذكره، هنا، أن إدارة ترامب كانت قد أدرجت نيجيريا عام 2020 على لائحة الدول المُنتهِكة للحريات الدينية، قبل أن ترفعها إدارة جو بايدن لاحقاً.
نيجيريا ترفض الادّعاءات
ورداً على تصريحات ترامب وتهديداته، اعتبر الرئيس النيجيري، بولا أحمد تينوبو، أن وصف بلاده بأنها «غير متسامِحة دينياً» لا يعكس الواقع، مؤكّداً التزام حكومته بحماية الحريات الدينية لجميع النيجيريين. وشدّد، في بيان، على أن «حرية الدين والتسامح يشكّلان ركيزة أساسية في هوية نيجيريا الوطنية». كما طالبت أبوجا بتوضيحات دبلوماسية، فيما حرصت السفارة الأميركية على تأكيد «عمق ومتانة» العلاقة بين نيجيريا والولايات المتحدة. وفي السياق ذاته، رفض رئيس مفوّضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، مزاعم «الإبادة الجماعية» في شمال نيجيريا، مؤكّداً أن ما يجري هناك «لا يمكن مقارنته بالفظائع التي تُرتكب في السودان أو جمهورية الكونغو الديمقراطية»، مشيراً إلى أن أول ضحايا تنظيم «بوكو حرام» هم من المسلمين.
