الأنديز يكتسي بالأزرق: تشيلي تنزاح يميناً
يعيد فوز مرشح أقصى اليمين، خوسيه كاست، في رئاسيات تشيلي، رسمَ التوازنات الجيوسياسية في أميركا اللاتينية، مستبدلاً أحلام التغيير الاجتماعي بوعود «القبضة الحديدية» و«ضبط الحدود»، و«تشيلي أولاً».


لندن | بينما كانت نتائج فرز الأصوات تتدفّق، ليل الأحد، في العاصمة التشيلية سانتياغو، لم يكن الاحتفال مقتصراً على مقرّ حملة المرشح خوسيه أنطونيو كاست؛ ففي بوينس آيرس، سارع الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، إلى نشر خريطة لأميركا الجنوبية على منصة «إكس»، وقد صُبغ نصفها الجنوبي باللون الأزرق المحافظ، معلناً بصلفه المعهود: «اليسار يتراجع، الحرية تتقدّم». وخريطة ميلي هذه، اختزلت تحوّلاً جذريّاً تشهده القارة، ذلك أنّ فوز كاست الساحق بنسبة 58% على منافسته الشيوعية، جانيت جارا، يتجاوز كونه حدثاً محليّاً في أقصى نهاية العالم، ليصبح حلقة مفصلية في سلسلة انتصارات لليمين المتشدّد تمتدّ من فلوريدا إلى الأرجنتين، معيداً رسم التوازنات الجيوسياسية في «الحديقة الخلفية» لواشنطن.
وأتى صعود كاست، المحامي المحافظ البالغ من العمر 59 عاماً، بعد أقلّ من أسبوعين من إعلان دونالد ترامب، استراتيجية إدارته للأمن القومي التي تعيد نصف الكرة الغربي إلى قمّة أولويات الولايات المتحدة، فيما يضيف هذا الانتصار، حليفاً استراتيجياً جديداً لواشنطن في المنطقة، لينضمّ إلى قائمة متنامية تشمل ميلي في الأرجنتين، وبوكيلة في السلفادور، وحكومات محافظة في الباراغواي والإكوادور. ويرى ستيف بانون، المستشار السابق لترامب، في ذلك الفوز تعزيزاً لاستراتيجية أوسع تهدف إلى إحياء «مبدأ مونرو» من القرن التاسع عشر، والذي يعتبر المنطقة منطقة نفوذ أميركية خالصة بعيداً من تدخّل «القوى الأجنبية». وبالفعل، عبّرت الإدارة الأميركية الجديدة عن التوجّه المشار إليه سريعاً، بتأكيد وزير الخارجية، ماركو روبيو، استعداد بلاده للشراكة مع كاست لتعزيز الأمن الإقليمي وتنشيط العلاقات التجارية، في خطوة تهدف إلى محاصرة النفوذ الصيني المتنامي في قطاع المعادن النادرة.
ويقول الخبراء إنّ كاست، نجح في قراءة المزاج العام للشارع التشيلي بدقّة، حيث هيمنت قضايا الأمن والهجرة والجريمة المنظّمة على أولويات الناخبين، متجاوزةً مطالب العدالة الاجتماعية التي ميّزت انتفاضة عام 2019. وإذ استلهم في حملته الانتخابية شعار «تشيلي أولاً»، فقد سوّق لنفسه باعتباره مرشح «القانون والنظام»، متعهّداً بإنهاء حال الفوضى التي يرى أنّ اليسار تسبّب بها. كذلك، تضمّنت وعوده الانتخابية إجراءات جذرية تحاكي سياسات ترامب الحدودية، من مثل بناء خنادق وأسوار على الحدود الشمالية مع بوليفيا والبيرو لمنع تدفّق المهاجرين، واستخدام الطائرات المسيّرة للمراقبة، والترحيل الفوري للمهاجرين غير الشرعيين.
تظلّ الصين الشريك التجاري الأول لتشيلي والمستورد الأكبر للنحاس
«تشيلي ستعود خالية من الجريمة، خالية من القلق، وخالية من الخوف»، هكذا خاطب أنصاره، مستغلّاً مخاوف مواطنيه المتزايدة من عصابات الجريمة العابرة للحدود، من مثل «ترين دي أراغوا». وكانت استطلاعات الرأي أظهرت عشية الانتخابات، أنّ 60% من التشيليين يطالبون بإعطاء الأولوية لمكافحة الجريمة، ما وفّر بيئة خصبة لخطاب «القبضة الحديدية» الذي يحمله كاست، لتتطابق الأجندة السياسية للجمهور، مع أولوياته تماماً.
ويحمّل مراقبون حكومة غابرييل بوريك واليسار التقدّمي مسؤولية هذا التحوّل الدراماتيكي؛ فبدلاً من ترسيخ مشروع اجتماعي ديموقراطي، مهّدت مدّة حكم بوريك الطريق لعودة «البينوشية» عبر صناديق الاقتراع، وذلك عبر الفشل في إدارة الملف الأمني، والتعثّر في العملية الدستورية (حيث رفض الناخبون مسودة الدستور الجديد)، والإحباط من عدم تحقيق إصلاحات هيكلية. أيضاً، وصفت أوساط سياسية يسارية، بوريك بأنه أدّى دور «حفّار قبر التقدّمية»، بعدما أدّت سياساته ومحاولاته لاسترضاء اليمين إلى إضعاف قاعدته الشعبية وتعبيد الطريق أمام خصومه، فيما اعتبر بعض المحلّلين اليمينيين أنّ فوز بوريك، كان ضرورياً ليتحمّل اليسار عبء الأزمات التي عصفت بالبلاد، ومن ثمّ تنفتح الطريق أمام عودة اليمين لاحقاً.
ورغم التناغم الأيديولوجي الشديد مع الإدارة الحالية في واشنطن، يواجه كاست تحدّياً اقتصاديّاً معقّداً. فالصين تظلّ الشريك التجاري الأول لتشيلي والمستورد الأكبر للنحاس. وفي هذا الجانب، يرجح الخبراء أن يتبنّى كاست نهجاً براغماتياً يفصل بين السياسة والتجارة، كونه يعي أنّ معاداة الصين تعني انتحاراً اقتصادياً. ولذا، من المتوقّع أن تصطفّ سانتياغو سياسيّاً وأمنياً مع واشنطن، بينما تحافظ على تدفّق الصادرات إلى بكين بحذر شديد، محاوِلةً السير على حبل مشدود في ظلّ التنافس الدولي على الليثيوم والمعادن الاستراتيجية.
وأثار انتخاب كاست، قلقاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والدولية، ليس فقط على خلفية سياساته الحالية، بل بسبب جذوره التاريخية. فالرئيس المنحدر من أصول ألمانية والذي كشفت تقارير عن عضوية والده في الحزب النازي، لم يخفِ يوماً تعاطفه مع جوانب من إرث الديكتاتورية العسكرية لأوغستو بينوشيه، فيما يرى أنصاره في تلك الحقبة زمناً للنظام والازدهار الاقتصادي، متجاهلين الانتهاكات الحقوقية الممنهجة بعد إسقاط جمهورية سلفادور الليندي.
وحاول كاست، في أثناء الحملة، تلطيف صورته تلك، مقتدياً برئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني؛ إذ ابتعد عن القضايا الخلافية من مثل حظر الإجهاض، وتجنّب الخطاب الديني المتشدّد، مركّزاً بدلاً من ذلك على القضايا الجامعة كالأمن والاقتصاد. لكن شبكة تحالفاته الدولية، التي تضمّ شخصيات من مثل إدواردو بولسونارو في البرازيل، وممثّلي الحركات المحافظة في هنغاريا، تشي بأنّ جوهر مشروعه السياسي يبقى متمركزاً في دائرة أقصى اليمين المحافظ.
ويمثّل فوز رئيس من تلك الدائرة، نهاية صريحة للدورة السياسية في تشيلي، والتي انطلقت مع احتجاجات واسعة في 2019 طالبت بالمساواة والعدالة الاجتماعية. ومع استعداد كاست لتسلُّم السلطة في آذار 2026، تتأهّب تشيلي لمرحلة جديدة من الاصطفاف الجيوسياسي، عنوانها تحوّلها إلى ركيزة أساسية في المحور اليميني الذي يتشكّل في الأميركيتَين، في تحوّل يعيد صياغة هوّية الدولة التي كانت تعتبر لسنوات طويلة معقلاً لليسار الديموقراطي المستقرّ في أميركا اللاتينية.
