«العزم المطلق» لا يكسر فنزويلا: بوادر تكتّل لاتيني
تُعيد عملية «العزم المطلق» تأكيد اندفاع واشنطن إلى استخدام القوّة لفرض إرادتها في «الفناء الخلفي»، لكنّ فنزويلا لم تنكسر، فيما تتنامى بوادر تكتّل لاتيني رافض للابتزاز الأميركي.


على الرغم من أن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو (التي سُمّيت «العزم المطلق»)، تمثّل ذروة الإرهاب الأميركي ضدّ هذا البلد، وتشكّل سابقة خطيرة في القرن الحالي، شبيهة باعتقال حاكم بنما، مانويل نورييغا، عام 1990، إلا أن الجمهورية البوليفارية لم تُظهِر أي بوادر استسلام لإملاءات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الآن، إذ سارعت القيادة الجديدة إلى اتخاذ إجراءات لضمان «استمرارية العمل الإداري والدفاع الشامل عن البلاد»، في حين أمرت «المحكمة العليا للعدل» (TSJ)، وهي أعلى سلطة في البلاد، نائبةَ الرئيس ديلسي رودريغيز بتولّي مهام الرئاسة «مؤقّتاً»، وذلك استناداً إلى توصيف «الغياب القسري» الذي يخلق «استحالة مؤقّتة لممارسة المهام». وفي المقابل، حذّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أمس، رودريغيز من «ثمن باهظ» ما لم تتعاون مع واشنطن، قائلاً في مقابلة مع مجلة «ذا أتلانتيك»: «ما لم تقم بالأمر الصائب، ستدفع ثمناً باهظاً للغاية، ربما أكبر من مادورو».
بهذا المنطق، تعيد الولايات المتحدة تأكيد استعدادها للجوء إلى القوة العسكرية المباشرة لتحقيق أهدافها في «الفناء الخلفي» بعد انشغالها في مناطق أخرى، باعثةً برسالة ترهيب مفادها أنها لن تتسامح مع وجود أنظمة مناوئة لنفوذها في المنطقة بعد اليوم. وفي ظلّ التهديدات باستنساخ الأسلوب نفسه الذي استخدمته واشنطن ضدّ كاراكاس، في منطقة الكاريبي ككل، وضدّ خصوم آخرين حول العالم، توالت ردود الفعل الغاضبة من الدول الحليفة لفنزويلا في أميركا اللاتينية، مندّدةً بالتدخل العسكري الأميركي، ومطالبةً باحترام سيادة الدول، وعاكسةً مخاوف عميقة من العودة إلى عهد التدخلات العسكرية الأميركية المباشرة في المنطقة.
ورفضت خمس دول، هي البرازيل وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وأوروغواي، بالإضافة إلى إسبانيا، في بيان مشترك، «أي محاولة للسيطرة» على فنزويلا، معربةً عن القلق من «أي إدارة أو استيلاء خارجي على الموارد الطبيعية أو الاستراتيجية».
من جهته، دان الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، العملية بشدّة، واصفاً إياها بأنها «اعتداء إجرامي» و«إرهاب دولة»، محذّراً من أن «منطقتنا التي أُعلنت منطقة سلام تتعرّض لهجوم يهدّد استقرار الجميع». ورأى الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بدوره، أن الهجوم «تجاوز خطاً أحمرَ»، داعياً الأمم المتحدة إلى التدخل لضمان احترام القانون الدولي. كما أكّد الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، رفض «الاعتداء على السيادة»، داعياً إلى الحوار كـ«سبيل أوحد» لحلّ الخلافات.
أمّا في بوليفيا، فاعتبر الرئيس رودريغو باز القصف الأميركي على كراكاس «عدواناً إمبريالياً» ينتهك السيادة، مؤكّداً تضامنه مع الشعب الفنزويلي. وانضمّت نيكاراغوا إلى بيان «التحالف البوليفاري لشعوب أميركا اللاتينية» (ألبا)، الذي وصف العملية بأنها «انتهاك خطير للقانون الدولي»، مطالباً بـ«الإفراج الفوري وغير المشروط عن مادورو وزوجته»، ومؤكّداً أن دول التحالف «لن ترضخ لأي ابتزاز».
وترافق هذا الإجماع الإقليمي، مع تغطية إعلامية واسعة في تلك الدول منحازة إلى فنزويلا، فيما برز إفراد وسائل الإعلام الرسمية والمستقلّة الموالية لليسار، مساحات لتغطية التظاهرات الشعبية المندّدة بالعدوان، وتسليطها الضوء على خروج مسيرات في دول حول العالم تضامناً مع فنزويلا ورفضاً لـ«الإمبريالية الأميركية».
يحذّر خبراء من أن دولاً أخرى قد تواجه عدوانية أميركية تحت ذريعة «استعادة الديمقراطية»
كوبا وكولومبيا الهدفان التاليان؟
بعد «نجاح» عملية اعتقال مادورو، تصاعدت التحذيرات من أن كوبا قد تكون التالية على قائمة الاستهداف، خصوصاً مع تحذير وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، من أن على هافانا أن تشعر بـ«القلق» بعد ما جرى في كاراكاس، ووصْف ترامب نفسه كوبا بأنها «دولة فاشلة»، وتحذيره من أن نظامها سيكون محور «الحديث التالي»، وذلك بذريعة أن الشعب الكوبي «عانى بما فيه الكفاية» وأن واشنطن تريد «مساعدته».
وفي هذا الإطار، حذّر مثقفون وناشطون كوبيون من أن ما حدث لمادورو قد يتكرر ضدّ هافانا. وكتب الشاعر الكوبي، أليكسيس دياث بيميينتا، منشوراً لاقى اهتماماً واسعاً، نبّه فيه إلى أن «كوبا يمكن أن تكون الهدف التالي لواشنطن». وتزامنت هذه التحذيرات مع استنفار أمني ملحوظ داخل كوبا؛ حيث شوهدت مروحيات تحلّق في سماء كاماغوي جنوبي البلاد، وتحرّكات لوحدات عسكرية في هافانا عقب تصريحات ترامب، الأمر الذي عُدّ مؤشراً إلى أن هافانا تأخذ تلك التهديدات على محمل الجد.
وإلى جانب كوبا، تخشى دول يسارية أخرى من أن تتوسّع قائمة الاستهداف لتشملها؛ ومن بين هذه الدول كولومبيا التي وجّه ترامب إلى رئيسها بيترو، السبت الماضي، تحذيراً شديد اللهجة، قائلاً إن الأخير «يصنع الكوكايين ويرسله الى الولايات المتحدة، لذا عليه التنبه». وبالفعل، يحذّر خبراء من أن دولاً أخرى قد تواجه عدوانية أميركية تحت ذريعة «استعادة الديمقراطية»، ولا سيما مع إعلان روبيو أن وقت إخضاع «جميع دول المنطقة»، وليس فنزويلا وحدها، قد حان.
كذلك، ينبّه الخبراء إلى أن اختطاف رئيس دولة كان لا يزال يحظى بدعم قطاعات شعبية وحلفاء دوليين، يُعد «سابقة خطيرة» تقوّض أعراف عدم التدخل المتوافق عليها ضمنياً في العقدين الأخيرين، وقد يؤدّي إلى سباق تسلح أو تحركات دفاعية في دول المنطقة. وبحسب هؤلاء، يمكن أن يؤدّي الشعور بالتهديد المشترك إلى تكاتف غير مسبوق بين الحكومات اليسارية وحركاتها الشعبية. فبيان تحالف «ألبا» الذي أكّد أن «أي عدوان إمبريالي لن يكسر إرادة الشعوب»، يعكس توجّه هذه الدول نحو تعزيز جبهتها الداخلية في وجه الصلف الأميركي، بما قد يشمل تعزيز التحالفات الإقليمية البديلة (من مثل «سيلاك» و«اتحاد دول الجنوب»)، وإيجاد آليات جماعية تحصّن سيادة البلدان اللاتينية، وربما لجوء الحكومات اليسارية إلى تشديد قبضتها الداخلية لحماية أمنها القومي من عملاء محتملين للولايات المتحدة.
أيضاً، يرى مراقبون أن دول التحالف البوليفاري ستتجه إلى تعميق شراكاتها مع الصين وروسيا كدرع حماية أمام أي خطوات أميركية قادمة. وربّما تشجّع هذه العملية، في المقابل، القوى اليمينية الصاعدة في بعض الدول، من مثل حكومة الرئيس الأرجنتيني اليميني، خافيير ميلي، التي احتفت علناً بسقوط ما سمّته «ديكتاتورية مادورو»، على المضيّ في سياساتها المعاكسة. وهذا ما ينذر بتعاظم الاستقطاب الأيديولوجي في المنطقة، بين محور يساري مُعادٍ للتدخل الخارجي، ومحور يميني مؤيّد للتحركات الأميركية.
