انفصال عن المزاج الشعبي: «زومبيز» الجمهوريين يصفقون للحرب
تتزايد التحذيرات من استمرار المشرعين الجمهوريين في التماشي مع سياسات دونالد ترامب الخارجية، والتي تخاطر بشعبيتهم ومستقبل بلادهم. ويأتي ذلك وسط معارضة شعبية من «الحزبين» للانغماس في معارك خارجية، والمضيّ بعيداً في مناوءة إيران وفنزويلا وغيرهما.


حتى اللحظة، ورغم «نزعاته التوسعية» التي تتعارض مع شعار «أميركا أولاً» الذي طبع حملته الرئاسية، لا يزال عدد وازن من المشرعين الجمهوريين ملتفّين حول الرئيس دونالد ترامب، تماماً كما هو الحال في أوساط قاعدته الشعبية. على أنه مع تلويح ساكن البيت الأبيض بإمكانية شنّ حرب عسكرية على إيران، والغموض المحيط بالأهداف الكامنة خلفها، جنباً إلى جنب نطاقها ومدّتها، بدأ العديد من المسؤولين والناخبين الجمهوريين يحذّرون من «إفراط» الإدارة في التدخّلات الخارجية، دعماً لـ«أهواء» إسرائيل.
وطبقاً للعديد من المراقبين، يعتقد الجمهوريون الذين يتبوّأون المناصب، في كثير من الأحيان، أنهم «في مأمن عندما يكونون في جماعة»، وأنه «من الأفضل أن تكون مخطئاً في مجموعة بدلاً من أن تكون على حق بمفردك». على أن هؤلاء ينبّهون إلى أن «الجمهور الأميركي كان قد تحوّل ضدّ سياسات الحزب بالكامل، بسبب حروب جورج بوش، وأن أيّ تكرار لمثل تلك الحروب من شأنه أن يحوّل (قوة الشعبوية) ضدّ الحزب الجمهوري». وبحسب ما ينقله موقع «ريسبونسبل ستيتكرافت» عن جيم أنتل، المحرر التنفيذي لصحيفة «واشنطن إكزامينر»، فإن «الحزب الجمهوري في الكونغرس لم يتمكن من اللحاق بقاعدته»، وإن الموجودين حالياً هم «حفنة صغيرة من الشعبويين والليبراليين»، بعدما «رحل جميع المعتدلين من المدرسة القديمة». وطبقاً للمصدر نفسه، فإن «ترامب هو حالياً الرجل الرئيس. وإذا قال اقصفوا، فنحن نقصف، وإذا قال السلام، فنحن نرفع علامة السلام».
ويستعيد دانيال مكارثي، كاتب ورئيس تحرير مجلة «مودرن إيج»، في حديث إلى الموقع نفسه، قصة عضو الكونغرس الجمهوري الراحل والتر جونز، الذي أدرك، في مراحل متقدّمة من حرب العراق، أن دعمه السابق للتدخل في هذا البلد كانت له «تبعات كارثية على ناخبيه»؛ وفور تغييره رأيه، تمّ تهميشه سياسياً في الكونغرس. ويقول: «(هو) فعل بالضبط ما يفعله الجمهوريون الآن. لقد ذهب كالزومبي إلى الحرب؛ حتى أنه صاغ مصطلح (بطاطس الحرية)»، مشيراً إلى أنه «شعر بالخجل في ما بعد من مدى سهولة دفعه إلى دعم سياسة كانت كارثية على البلاد ومنطقته»، مضيفاً أنه يمكن للمشرّعين اليوم «تجنّب الخطأ نفسه، عبر التعلم من تجربة جونز».
وعلى الصعيد الشعبي، أظهر استطلاع جديد للرأي أن الديموقراطيين والجمهوريين متّحدون في معارضة الضربات العسكرية الأميركية ضد إيران؛ إذ أعرب 70% من المشاركين في استطلاع رأي أجرته «جامعة كوينيبياك» عن اعتقادهم بأنه لا ينبغي للولايات المتحدة التدخل عسكرياً في هذا البلد، وذلك مقابل 18% ممّن يؤيدون التدخل. وتشمل النسبة الأولى المشار إليها، الغالبية العظمى من المستقلين (80% مقابل 11%) والديموقراطيين (79% مقابل 7%)، فضلاً عن أغلبية الجمهوريين (53% مقابل 35%).
تعارض غالبية الناخبين الجمهوريين أن يذهب ترامب «أبعد» في تدخلاته الخارجية
على أن استطلاع الرأي المشار إليه كشف أيضاً عن انقسام حزبي حول ما إذا كان يتعين على ترامب الحصول على موافقة الكونغرس، قبل التدخل عسكرياً في أي أزمة خارجية؛ إذ فيما يرى 95% من الديموقراطيين و78% من المستقلّين أن الرئيس يجب أن يحصل أولاً على تلك الموافقة، فإن عدداً أقلّ بكثير من الجمهوريين يتبنّى الرأي نفسه. وبالفعل، أعاق المشرعون الجمهوريون في مجلس الشيوخ، الأربعاء، بفارق ضئيل جداً، التصويت النهائي على قرار كان من شأنه أن يمنع ترامب من شنّ أي عمل عسكري آخر في فنزويلا، من دون موافقة الكونغرس، وذلك بعدما كان لنائب الرئيس، جي دي فانس، الصوت «الحاسم»، لحصد أغلبية 51 صوتاً مقابل 50. وطبقاً لبعض التقارير الغربية، وبعدما كان قد صوّت خمسة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لصالح المضيّ قدماً في هذا الإجراء، فقد مارس ترامب ضغوطاً شديدة على «المنشقين»، ما أجبر السناتورَين الجمهوريَّين جوش هاولي (جمهوري من ميسوري) وتود يونج (إنديانا)، اللذين دعما مشروع القانون سابقاً، على المساهمة في إسقاطه.
وإلى جانب إيران، شهدت قضية اعتقال مادروو وزوجته انقساماً حزبياً متوقعاً، بعدما أيّد 85% من الجمهوريين العملية العسكرية، وعارضها 79% من الديمقراطيين، وذلك في خضمّ «انقسام» في أوساط المستقلين. وفي استطلاع منفصل، أجرته وكالة «أسوشيتد برس» و«مركز نورك» لأبحاث الشؤون العامة ما بين 8 إلى 11 كانون الثاني، بعد القبض على مادورو، اتّضح أن أكثر من نصف البالغين في الولايات المتحدة يرون أن رئيسهم «ذهب بعيداً جداً»، في استخدام الجيش الأميركي للتدخل في دول أخرى.
ورغم أن غالبية الجمهوريين لا تزال «مصطفة» خلف ترامب؛ إذ إن 2 من كل 10 منهم يريان أن ترامب تجاوز حدوده، مقابل نحو 9 من كلّ 10 ديموقراطيين ونحو 6 من كل 10 مستقلّين، كما إن 71% من الجمهوريين يرون أن تصرفات رئيسهم كانت «صحيحة إلى حد ما»، إلا أن 1 من 10 منهم يؤيدون أن يذهب «أبعد من ذلك».
ورغم معارضة قاعدتهم للمضيّ بعيداً، لا يزال عدد كبير من الجمهوريين يتمنّعون، حتى اللحظة، عن معارضة ترامب. على أن ما تقدّم لا ينفي وجود أصوات محافظة قوية تحاول «ردع» الرئيس. ومن بين هؤلاء، السيناتور الجمهوري راند بول، الذي شكّك في مقابلاته أخيراً، في ما إذا كان «قصف إيران سيحقق أهداف الولايات المتحدة المنشودة»، وذلك في موقف يتماشى مع ما يتبناه المشرعون الديموقراطيون، الذين يحذرون من أن الضربات قد تأتي بنتائج «عكسية»، فيما استشهد بعضهم بتجربة «الإطاحة بالحكومة الإيرانية في عام 1953، بدعم من الولايات المتحدة، والتي أدت إلى سلسلة من الأحداث التي أسهمت في صعود النظام الإسلامي في البلاد في أواخر السبعينيات، وكشفت مخاطر التدخل الأميركي». على أنه من بين الديموقراطيين ثمة استثناء، عبّر عنه السيناتور جون فيترمان (بنسلفانيا)، الذي انفصل عن زملائه عبر دعوة إدارة ترامب إلى اتخاذ «إجراء عسكري ضدّ الحكومة الإيرانية السامة»، على حدّ تعبيره.
وبالعودة إلى التجربة الأولى للتدخل العسكري ضدّ طهران، في حزيران، فقد ثبتت إمكانية اشتداد المعارضة، عند المباشرة في الضربة، وهو ما عبّرت عنه آنذاك مواقف العديد من الجمهوريين المعارضين، من مثل السيناتور جوش هاولي (ميسوري)، المعروف بتأييده القوي لإسرائيل، والذي أعرب «عن قلقه بشأن جرّ الولايات المتحدة إلى الصراع، لا سيما وأن إسرائيل يمكن أن تتصرف بما يخدم مصالحها الخاصة، لا مصالح واشنطن».
