لبنان ميشال شيحا

يقول ميشال شيحا في كتابه «لبنان في شخصيته وحضوره» إنّ علم الاقتصاد السياسي لا يزال على أشياء من النسبية واللبس، فينبغي تفسيره كما تفسير تنبّؤات العرّافة. شيحا بوصفه هذا أراد التسويق لمفهوم جديد للاقتصاد بعيداً عن المدارس الاقتصادية السائدة. لكنّ الهروب هذا أوقعه في فخ تبنّي فكر رأسمالي ولو بنكهة لبنانية، فينتقل لتحليل الميزة الاقتصادية اللبنانية بوصفها تتشابه مع المفهوم الإنكليزي.
فَهُم- أي الإنكليز- غادروا بلادهم لقلة الموارد لديهم. وبهذا الشكل تكوّن العمل الفينيقي المبدع. هو الفينيقي المبحر والمسافر الذي وجد الجبال من خلفه والبحر من أمامه، ليس إلا فعلاً إنكليزياً مبهراً. كما أنّ اللبناني، بوصف شيحا، امتداد لهذه الثقافة الفينيقية، فعلينا العمل بنفس النموذج الاقتصادي للمستقبل.
قد لا تكون بعض هذه السطور كافية لفهم تحليل المعرفة الاقتصادية لشيحا، مع تقديري أنّ السؤال الخاص بالهوية لم يُطرَح، لكنه كان موجوداً في الإجابة غير المباشرة. والتيه «الهوياتي» لشيحا جعله يرتكز إلى استخلاص هوية وتقبُّلها كأنّها حقيقة علمية. اللافت في كينونة فكر شيحا هو لبنان المتصرفية، وليس الجمهورية اللبنانية. فبالنسبة إليه، لبنان هو الجبل الحاجز والمحيط والبحار. حتى العجز في التحليل جعله ينسى أو يتناسى لبنان بسهل حولا وسهل عكار وسهل البقاع ونهر الليطاني. لبنان بالنسبة إلى شيحا ليس لبنان المنتِج بل إنكلترا الشرق، الخالية من الموارد، التي تسعى في البحار استرزاقاً.
لست هنا في معرض تحليل مفهوم شيحا للهوية اللبنانية، فهو استخلص بطريقة غير مباشرة موضوع الهوية باللجوء إلى نظرية الفكر الاقتصادي للكيان، وما يجب أن يكون عليه. أمر تأثير شيحا في عقلية الكيان عامة والمفهوم الاقتصادي خاصة عميق جداً وأكبر من أن يتأثّر بما جاء قبله أو بعده. الكيان اللبناني في أزمة اقتصادية تتلخّص في كونها أزمة وجودية، ومركزية أزمتها أنها «أزمة شيحية».
ماذا يريد الكيان في فكر شيحا؟ فمن منطق اقتصاد «البروكر» السمسار يبني مجتمعاً ودولة ترتكز سياستها على السمسرة. وعند عدم وجود البائع والشارع تصطدم الدولة بواقعها كالغزال في الضوء العالي (نسبة إلى المثل الإنكليزي) وتقف عاجزة غير قادرة على التأقلم.
وتبدو جميع الأسئلة والأجوبة بعيدة عن السؤال الحقيقي: هل هذا النموذج الاقتصادي السمسَري قابل للحياة؟ أنجبت هذه التركيبة الاقتصادية الحروب الأهلية وكلّفت الشعب اللبناني دماراً مهولاً، وخسارة لما يقارب 10% من ناسه، عدا الهجرة في كل بقاع الأرض، وللصدفة، إنّ هجرة الشعب في مفهوم شيحا للبنية الاقتصادية اللبنانية هي هجرة لشعب مغامر وتاجر في البحار!
مع انتهاء الحرب الأهلية قمتُ مع صديق الطفولة بالتجوال في الأسواق التجارية أو ما يُعرف اليوم بـ«سوليدير». كان حجم الدمار مهولاً، وكانت المدينة عند خطوط التماس قد مرّ عليها الوقت وهي في سبات عميق، كل شيء كان كما تركه أهله سنة 1975 بالضبط. كان الدمار في كل زاوية، ورائحة الموت تدل على حجم المأساة، لكنّ الصدفة أو الصدمة كانت في شارع المصارف! كان الشارع كما هو، عدد قليل من الطلقات النارية في الجدران، لكنّ الشارع سليم وكأنّ الحرب كانت في كوكب آخر! في المدرسة الثانوية كان أستاذ التاريخ يخبرنا عن الحرب وأسبابها وتعليلها وكيف أنّها «حرب الآخرين، وحرب المحيط العربي الذي لا يريد لبنان دولة بأربعة فصول تنمو وتزدهر».
أخذتُ الفكرة ببساطتها ولم أحلّلها كثيراً. في الجامعة تعرّفت إلى أساتذة ثاروا على هذا النظام العفن. قال لي أستاذ عند سؤاله عن المصارف إنّها دفعت لجميع القوى المتقاتلة كلها بدون استثناء، واستفادت من تركيبة النظام السياسي اللبناني لتنمو حتى في الحرب. ثم جاء تعديل الدستور وانتهت الحرب بخاسر ورابح. مارس الطرف الرابح سياسات اقتصادية جديدة تُوّجت بمشروع المرحوم الشهيد رفيق الحريري وطبعاً «ربيعه الموعود». بقي في ذهن الشباب ما يسمّيه اليوم بعض الاقتصاديين بـ «اقتصاد لبنان 2».
لنكتشف مع الوقت أنّ الحرب العسكرية انتهت برابح على الأرض وخاسر في المقابل، ولكنّ الرابح الحقيقي هو ميشال شيحا. المنتصر كان لبنان السمسار، واقتصاد لبنان النموذج الذي أسّسه، أو أعاد تأسيسه، الشهيد رفيق الحريري، وهو ليس إلا المصارف المنتصرة. وتحوّل لبنان 2، أو اقتصاد لبنان 2، من نموذج سمسار مصرفي بحت إلى سمسار مصرفي ريعي. نما الاقتصاد، وهنا (النمو بوصفه ليس مرادفاً للتنمية بل نمو الناتج القومي). بعد الحرب كان نمو الناتج الوطني أوسع من النمو الذي شهده لبنان في الستينيات وأواسط السبعينيات قبل الحرب، كونه توسَّع من حيث المستفيدين، وخاصة دخول أمراء الحرب في المعادلة الاقتصادية.
دخل لبنان في دوامة دين يصعب تحليله في هذه السطور، والدوامة يتحمّل مسؤولية إنتاجها بعض من كان في السلطة إما لسوء فهم للواقع الاقتصادي الإقليمي والدولي أو لعدم أهليته. إنّ انعدام كفاءة بعض رجال الدولة أدّى إلى استمرار دوامة الاستدانة في العملة الأجنبية كطريقة أفضل من الاستدانة بالليرة. وهنا يحضرني أستاذ الاقتصاد في الجامعة، وهو كان من الراغبين بـ «الاستوزار»، أو أقلّه أن يصبح من حاشية الرئيس الحريري، يشرح لنا أنّ الدين الخارجي والدين الداخلي لا يختلف أحدُهما عن الآخر. إن كان الدين بالعملة الصعبة أو العملة المحلية. وطبعاً هذا التحليل في قمة الغباء الاقتصادي، لكنّ الطلاب كانوا يأخذونه على محمل جد كونه العالِم!
ولم يخطر في ذهن أحد من المنظّرين لسياسات الحكومات المتعاقبة حجم الكارثة جراء مراكمة الدين، في دولة ألغت الإنتاج وربطت الاقتصاد الريعي الجديد بسياحة الخليج، وبشكل غير مباشر بتذبذبات أسواق النفط، إلى أن أتت الأزمة الاقتصادية الآسيوية وانهارت أسعار النفط، لينكمش اقتصاد لبنان 2 في أواخر التسعينيات. إنّ استفحال الدين اللبناني كان له بعدان، البعد الآخر هو المشروع السياسي الذي راهن على عدم الدفع والمسامحة ضمن صفقة السلام الموعود و«البحبوحة».
وهنا لا بد من التأكيد أنّ الهوية الاقتصادية للبنان لم تتغيّر، بل اختلفت شكلياً، واستمرّت المصارف كركن السمسرة. لكنّ السمسار اكتشف بعد سنوات التسعين أنّ دول الخليج خلال الحرب اللبنانية أصبحت متقدّمة على السمسار اللبناني، ومصارفها راكمت أضعافاً من حيث الخبرة. وسويسرا ميشال شيحا والسرّية المصرفية لم تعودا الجوهرتَين اللتين كان يُعتمد عليهما، فانتقل السمسار المصرفي إلى السمسرة الداخلية إلى حين انفجار لبنان 2 أو اقتصاد لبنان 2 مع استشهاد رفيق الحريري.
ومرة أخرى بقيت المصارف، ولكن هذه المرّة تسلم دفّة المصارف السمسار المصرفي الكبير حاكم مصرف لبنان ولو بالصدفة! وأصبح لبنان السمسار يديره مصرفي ودخل لبنان في أزمة استمرت سنوات. فلبنان السياسي 2 لم يعد قادراً على الاستمرار في ظل انعدام الرؤية السياسية والاقتصادية بعد الحرب الأهلية السورية، وخروج النظام السوري عسكرياً من لبنان لم يعقبه إنتاج نظام سياسي جديد يعيد استمرارية الاستقرار، وهنا لست في وارد تحليل النظام الاقتصادي بل وصفه للوصول إلى أزمة 2019.
بعد أزمة 2019 والانتفاضة الشعبية وانهيار العملة وما تبعها من انهيار اقتصادي وانكماش يستمر إلى يومنا الحالي، استفاق أركان الدولة على سؤال وجودي أكثر من قدرة الجميع في المؤسسات الدولية والأهلية والمدنية على الإجابة عليه. لقد سقط السمسار بسقوط المصرف السمسار، الذي اكتشف اللبنانيون أنه ليس مصارف مجموعة كما يوَصَّفون اليوم بـ «البنكرجية»، الذين تاجروا بأموال المودعين، والودائع كانت أربعة أضعاف حجم الاقتصاد، وراهنوا بها كالمريض المراهن في لاس فيغاس. الأزمة الحالية التي تصيب الجميع، اللبناني المقيم والمغترب - الفينيقي حسب ميشال شيحا، هي أزمة حادة لا يمكن للدولة بشكلها الحالي الخروج منها، ذلك إن كان باستطاعتها الخروج منها بالمطلق. والسؤال هنا ليس تقنياً بل في صميم الاقتصاد السياسي الذي حاول شيحا الهروب من الإجابة عليه. لبنان السمسار سقط وذهب ولن يعود!
هذا التحدي يجعل المجتمع وخاصة المؤسسات الدينية التي آمنت بمقاربة لبنان الفينيقي، يواجه أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها: ما هو الدور الجديد للبنان؟ وما هي هويته؟ كان لبنان رأسمالياً أو ما كان يُعرف قبل بلبنان الاقتصاد الحر، وهو بالفعل ليس إلا احتكاراً مطلقاً، أو الاقتصاد الحر الذي استعمل كمفردة خاصة «فينيقية» بعد سيطرة الأحزاب الاشتراكية العربية في المحيط العربي. السؤال الوجودي اليوم لا يحل بنظريات رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة «الدولة تاجر فاشل»، ولا بأدبيات اليمين الليبرالي العَفِن، التي عفا عليها الزمن، من أدبيات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
السؤال الوجودي الحقيقي هو: هل لبنان ميشال شيحا قادر على الاستمرار؟ أو أنّه مات وعلينا إعلان الجنازة والدعوة إلى فكر اقتصادي جديد، بعيد كل البعد عن الأدوار الإقليمية، ويؤسّس بدوره لبناء دولة عصرية قائمة على التنمية والإنتاج والعدالة الاجتماعية؟
*باحث اقتصادي
