توراتيّون متعصّبون يجهلون التوراة: ترامب وماست مثلاً!

علاء اللامي
علاء اللامي
الثلاثاء 11 آذار 2025
توراتيّون متعصّبون يجهلون التوراة: ترامب وماست مثلاً!
الخط

نائب أميركي جندي إسرائيلي

جاء في الأخبار أن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي النائب برايان ماست أصدر تعليماته لموظفي اللجنة باستخدام الاسم العبري «يهودا والسامرة» بدلاً من «الضفة الغربية» الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل. وماست، في المناسبة، جندي سابق في الجيش الإسرائيلي، وصاحب المقولة الإبادية الفاشية: إنَّ عدد الأبرياء من المواطنين الفلسطينيين في غزة قليل جداً.

ومن مآثر هذا النائب الجندي هو أنه ارتدى زيه العسكري الإسرائيلي في الكابيتول حين شارك في جلسة برلمانية لمناقشة مشروع القانون الذي قدّمه، لمنع التمويل الدولي لحركة حماس، والذي تمّت الموافقة عليه من قبل لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب. وادّعى ماست بأن «جذور اليهود في هذه المنطقة تعود إلى مئات السنين»، وقال: «كممثلين للشعب الأميركي يجب علينا أن نكون جزءاً من إيقاف موجة معاداة السامية التي يجب إدانتها، والاعتراف بحق إسرائيل في الأراضي التي هي مهد الحضارة اليهودية» (صحافة، 27 شباط 2025).

سنحاول في الفقرات التالية أن نبيّن ونثبت، أن برايان ماست لا يقلّ جهلاً بحقائق التاريخ والجغرافيا - وخصوصاً فلسطين القديمة مهد اليهودية والمسيحية - من رئيس دولته دونالد ترامب. فهذا الأخير حين اعترف بالقدس عاصمة لكيان القتل والعنصرية الصهيوني في عهدته الرئاسية الأولى اعتبر أن «اليهود هم بُناة وسكان هذه المدينة القديمة»! والحقيقة التي يعرفها عامّة الناس ذوو الثقافة المتوسطة، وليس فقط العلماء والباحثون ورجال الدين اليهود والمسيحيون حتى المتعصبون للصهيونية منهم، أن القوم الذين بنوا مدينة أورشليم القدس هم اليبوسيون وهم عشيرة من الكنعانيين. والكنعانيون شعب جزيري (سامي) تأكّد وجوده التأريخي من خلال الوثائق والنصب في الآثار المصرية والرافدينية والشامية لذلك العصر بعكس ما يزعم القائلون بعسيرية أو يمنية التوراة في عصرنا.

توراتيون يجهلون التوراة

أمّا في التوراة، التي يتشدّق بالنطق باسمها والدفاع عنها ترامب ونتنياهو وماست وغيرهم من الساسة الجهلة، ورغم أنني لا أعتبرها كتاباً تاريخياً أو كتاباً صحيحاً في معظمه من الناحية التاريخية، فهي -التوراة- تعترف بهذه الحقيقة، وبأنَّ اليبوسيين وملكهم الوثني ملكي صادق وعاصمتهم التي كان اسمها يبوس ثم سميت أورشليم مذكورون في ثلاث آيات في سفر التكوين 14: 18-20، وفي المزاميز 110. كما ورد ذكرهم لدى المسيحيين في رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين الفقرة السابعة.

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، وكنتُ قد تطرقتُ إليه في مقالتي «مَن هم بُناة أورشليم القدس الأوائل؟» («الأخبار»، 1 تموز 2019)، أن باحثَين آثاريين وأناسيين فلسطينيين هما عيسى الصريع وهاني نور الدين قد عارضا أن يكون اليبوسيون هم بناة القدس لسببين علميين؛ الأول، هو أن المصدر الوحيد الذي ذكر اسم اليبوسيين ودورهم في القدس هو التوراة، التي لا يعوّل عليها ككتاب تأريخي موثوق.

والثاني، هو عدم العثور على أي أثر أو سند أركيولوجي مكتوب أو مرسوم يؤكد ما ذهبت إليه التوراة حول اليبوسيين، في الوقت الذي وُجِدت فيه أدلة من هذا النوع تؤكد وجود الكنعانيين وهويتهم. ويستنتج الباحثان الفلسطينيان من ذلك، أنّ الكنعانيين هم البناة الأوائل لأورشليم القدس، وهم مَن أطلقوا عليها هذا الاسم، ولكنهما يستدركان بأن اليبوسيين وملكهم المذكور في التوراة ملكي صادق، ربما كانوا مجرد أسرة أو عشيرة صغيرة من أولئك الكنعانيين الأوائل.

إنّ النائب الأميركي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية النيابية والجندي الإسرائيلي بريان ماست، يقول مبرراً قراره باستبدال مصطلح سياسي مأخوذ به في الوثائق الدولية المعاصرة منذ بدايات القرن الماضي هو «الضفة الغربية» بمصطلح أثري لا يقول به سوى الصهاينة المتطرفين وهو «يهوذا والسامرة». ولو أنَّ أحداً سأل ماست أو ترامب عن أصل عبارة «يهوذا والسامرة» لعجزا ربما عن إعطاء جواب صحيح، وربما أحاله أحدُهما إلى اسم يهوذا الأسخريوطي خائن يسوع المسيح المعروف في السردية المسيحية.

صهيوني يجهل الصهيونية

الدليل الأول على جهل ماست المدقع حتى في السردية الصهيونية المعاصرة هو قوله «إن جذور اليهود في هذه المنطقة تعود إلى مئات السنين»، وهذا القول سيغضب الصهاينة المتعصبين دون شك لأنهم تربّوا على القول التوراتي الزائف إنَّ جذورهم في فلسطين تعود إلى آلاف السنين وليس مئات السنوات! واليهود الصهاينة المعاصرون - باستثناء أقلية ضئيلة من اليهود المزراحيم (الشرقيين) وبعض السفارديين ذوي الجذور الأندلسية- لا علاقة لهم لا بفلسطين ولا بيهوذا وإسرائيل القديمتين لأنهم متهوِّدون من شعوب أخرى كشعوب المملكة الخزرية المختلطة (650-850 م) ولا علاقة لها ولهم ببني إسرائيل القدماء، الشعب الصغير شبه المنقرض، ولا بيهودا والسامرة، وهذا ليس كلامنا بل كلام علماء وباحثين بعضهم يهود معاصرون ومن أشهرهم شلومو ساند في كتابيه المهمين «اختراع الشعب اليهودي» و«اختراع أرض إسرائيل»!

تُعتبر «يهودا والسامرة» وحدة إدارية واحدة تشمل كامل الضفة الغربية باستثناء القدس الشرقية. أمّا قديماً فقد وردت التسميتان في الكتاب اليهودي المقدّس «التناخ» الذي يضم الأسفار الخمسة الأقدم، وتعني الأولى «مملكة يهودا» في الجنوب، والثانية مملكة السامرة في الشمال

إنَّ يهودا هي «دولة مدينة» نشأت في وحول أورشليم القدس، وشملت أجزاء مما نسميها في عصرنا الضفة الفلسطينية الغربية، نشأت هذه الدولة المدينة في فترة دويلات المدن بفلسطين القديمة. والتوراة نفسها تعترف بأن هذه الدولة المدينة قد أقيمت حول أورشليم وفي داخلها من قبل اليبوسيين كما أسلفنا، ثم وبعد زمن طويل، سيطر عليها بنو إسرائيل (تارة تقول التوراة إنَّ ذلك حدث بحد السيف وأخرى بالتسلل والتعايش السلمي مع الكنعانيين).

وإسرائيل، هو لقب النبي التوراتي يعقوب بن إسحق. وهذا اللقب -ويا لمفاجأة ترامب وماست! - ليس عبرياً ولا يهودياً توحيدياً بل كنعاني وثني، فهو مؤلف من كلمتين؛ إسرا وتقول التوراة إنها تعني «صرع» و«ئيل» وهو كبير الآلهة الكنعانية والأكثر شهرة في بلاد الشام القديمة (بلاد كنعان وآرام). فيكون المعنى «صرع الإله»، والقصة كاملة نجدها في التوراة – سفر التكوين 32:22-30. أكثر من ذلك، فإن التوراة وضمن تناقضاتها التي لا تُحصى لكثرتها تعتبر يعقوب «إسرائيل»، أبا الأسباط، آرامياً تائهاً وليس عبرياً كما ورد في سفر التثنية وفق الترجمة الأشيع: «ثُمَّ تُصَرِّحُ وَتَقُولُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ: أَرَامِيًّا تَائِهًا كَانَ أَبِي...» (تث 26: 5). وهناك من يعتبر الأب في هذه الآية هم جميع الآباء «إبراهيم وإسحق ويعقوب» ويعلل هذا البعض اقترانها بيعقوب أكثر من غيره بسبب قصته مع خاله لابان وزواجه من بنات خاله هذا. فجميع أبنائه، ما عدا بنيامين، ولدوا في آرام (كما يكتب الباحث والمترجم الفلسطيني محمود الصباغ، «الحوار المتمدن»، العدد: 6058 - 2018).

يهودا والسامرة قديماً وحديثاً

في التقسيمات الإدارية في الكيان الصهيوني المفتعَل المعاصر تُعتبر «يهودا والسامرة» وحدة إدارية واحدة تشمل كامل الضفة الغربية باستثناء القدس الشرقية. أمّا قديماً فقد وردت التسميتان في الكتاب اليهودي المقدّس «التناخ» الذي يضم الأسفار الخمسة الأقدم، وتعني الأولى «مملكة يهودا» في الجنوب، والثانية مملكة السامرة في الشمال. يُقصد بيهودا في الوقت الحاضر كل المنطقة الممتدة جنوب القدس، بما في ذلك مجموعة مستوطنات غوش عتصيون «غير الشرعية» في محافظة بيت لحم وجبل الخليل بمحافظة الخليل الفلسطينيتين، بينما منطقة السامرة تشير إلى المنطقة الواقعة شمال القدس وخصوصاً أجزاء من محافظة نابلس ورام الله الفلسطينيتين.

بالعودة إلى يهودا القديمة، فقد نشأت هذه «الدولة المدينة» واتسعت قليلاً حول أورشليم/القدس وفي داخلها من سنة 930 ق.م حتى دمّرها الملك الرافداني الكلداني نبوخذ نصر في 16 آذار 597 ق.م بعد تمرّدها وانحيازها إلى جانب مصر. ولم يكن اسمها إسرائيل بل يهودا / يهوذا على اسم أحد أسباط بني إسرائيل الاثني عشر، الذي يُنسب إلى يهوذا بن يعقوب. أمّا التوراة، فتبالغ دائماً وبشكل كبير في الأرقام والتواريخ والمساحات حتى جعلت منها إمبراطورية لا يوجد دليل آثاري مادي واحد متفق عليه بين المتخصصين على وجودها.

أمّا دولة مدينة السامرة القديمة، فكانت تسمّى في التوراة مملكة إسرائيل الشمالية وتقع أطلالها اليوم في قرية سبسطية الفلسطينية التي تبعد 12 كم عن مدينة نابلس (نيابوليس في العهد الروماني) واسمها الكنعاني القديم شكيم. ولم تعش إسرائيل الشمالية التي لعنتها التوراة لأنها مملكة وثنية يحكمها كفار مرتدون أكثر من قرنين تقريباً، من 928 ق.م وحتى 722 ق.م وفيها هاجمها الملك الرافداني الآشوري تجلات بلاسر الثالث ودمرها. وهي «مملكة مدينة» صغيرة حول وفي مدينة السامرة - المدينة الوحيدة التي بناها اليهود في فلسطين بعد أن نقلوا عاصمتهم من مدينة ترصة الكنعانية إلى قطعة أرض اشتراها الملك الإسرائيلي عُمري وهو الذي اتهمته التوراة بعبادة الأصنام، اشتراه من شخص أو عشيرة كنعانية اسمها «شيمر» وبنى عليها عاصمته التي اتخذت اسم مالك الأرض السابق «شيمر» اسماً لها وهو «شيمرون» بالعبرية والسامرة بالعربية، وهذا في الخرائط القديمة.

الدويلة المدينة في بلاد آرام وكنعان

هاتان الدويلتان المدينتان القديمتان، يهوذا وإسرائيل (السامرة)، مثالان بسيطان على مفهوم الدويلة المدينة كما قلنا، ولم يكونا سوى هامشين صغيرين في التاريخ الفلسطيني الألفي والذي يضم العشرات من الممالك والدويلات المدن. وكان هذا هو واقع الحال الأناسي والتاريخي ضمن طور دويلات المدن الذي استمر في فلسطين وبلاد آرام وكنعان طوال العصرين البرونزي، بمراحله الثلاث، والحديدي، كانت كل مدينة كبيرة تعتبر نفسها دولة - مملكة حتى قيام الدولة الواحدة الأموية لأول مرة في هذا الإقليم خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين ودامت أقل من قرن، من 662 وحتى 750 م. أمّا في وادي النيل وبلاد الرافدين فقد انتقلت المنطقتان إلى طور المدينة الواحدة الموحدة في مراحل تاريخية باكرة لأسباب عديدة توافرت هناك ومنها وجود النهر العظيم الذي كان بمثابة العقد الحضاري الرفيع الذي انتظمت فيه وتوحدت دويلات المدن.

وقد بلغ عدد هذه «الدويلات المدن» في فلسطين وبلاد آرام العشرات حتى قاربت الأربعين مملكة - مدينة شاركت بجيوش في التحالف الآرامي الذي خاض معركة التصدي الفاشلة ضد جيش الدولة الآشورية بزعامة شلمانصر الثالث والمعروفة بمعركة قرقرة سنة 853 ق.م.

وفي تفاصيل المعركة المكتوبة على نصب انتصارات الملك الآشوري شلمانصر الثالث (واسمه العلمي «نصب كورخ» معروض في المتحف البريطاني الآن) نقرأ العديد من أسماء دويلات المدن وملوكها ومنهم مثلاً قائد التحالف وملك دمشق الآرامي بن حدد وملك حماة إرويني ومملكة شيانو بجبال الساحل السوري ومملكة مدينة أوسنطة بجبل لبنان وملك مملكة جزيرة أرواد في الساحل السوري ومملكة عمون (في وادي أرنون بالأردن حالياً) ومملكة القيداريين بزعامة الملك جندبو آريبو (جندب العربي) وقد كوَّن هؤلاء القيداريون اتحاداً قبلياً عربياً وبدوياً متمركزاً في وادي سرحان في الصحراء بين سيناء وحتى تخوم صحراء العراقية الغربية وتشمل قائمة الملوك المشاركين في معركة قرقرة اسم مملكة مدينة السامرة وملكها أخاب بن عُمري وهو وثني الديانة أيضاً كأبيه وقد نال حصته من لعنات التوراة.

إن هذه المعلومات التي نوردها ههنا يعرفها معظم الباحثين الآثاريين والأناسيين، الإسرائيليين والأميركيين، الجادين والموضوعيين، وهي معروضة في كتبهم ولا ينكرها حتى رجال الدين اليهود والمسيحيون العاديون والذين يعرفون حقائق التاريخ والجغرافيا ويسخرون من ترهات الساسة الاستعماريين والمعتوهين من أمثال ترامب وبرايان ماست!
*كاتب عراقي