ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

أن نفكّر كواشنطن وليس إسرائيل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد فضل الله
محمد فضل الله
الأربعاء 12 آذار 2025
الخط

لماذا لا تقوم واشنطن بعمليات أمنية على الطريقة الإسرائيلية رغم أنها تَملك من الموارد المالية والمادية والنفوذ السياسي والفكري والداتا عن كل فرد حول العالم (عبر «منصات الديموقراطية» و«الاقتصادات التشاركية» في الفضاء الافتراضي الذي تسيطر على جلّه) ما لا يُقارَن بإمكانات إسرائيل؟

بخلاف إسرائيل التي نَفّذتْ عمليةً أمنية بهلوانية غير مفهومة المعنى والقيمة لاستعادة موردخاي فنونو من دول حليفة لها، بريطانيا وإيطاليا، بدلاً من المطالبة باستعادته قضائياً، فإن فكرة أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بعملية أمنية خاصة لجلْب جوليان أسانج لم تَكتسب وزناً جدياً، رغم أن العقل الأمني التأديبي البسيط سيَعتبر أن عمليةً كهذه ستشكِّل رادعاً لأي شخص آخر يفكّر في تسريب معلومات مصنّفة سرية. عمليات واشنطن السرية في أوائل الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي كانت بمعظمها بالتنسيق مع الاستخبارات البريطانية، ولكن كان واضحاً أنه بحلول أواخر السبعينيات، لم تَعدْ واشنطن مهتمةً بهذا النوع من العمليات (بعكس الاتحاد السوفياتي الذي بقي متمسّكاً بها، فمنذ الحكم القيصري كان هناك هوس روسي في رؤية الأيادي السرية في الأحداث وبالتالي يصبح تنفيذ عمليات سرية محور العمل السياسي).

كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تقوم بعملها الطبيعي ضمن حدودها المؤسساتية، ولم تصبح المؤسسة المركزية في العمل السياسي الأميركي. الماكارثية كانت ظاهرة دخيلة، وقد وَجدتْ الحاضرة الإمبريالية واشنطن (نَستخدم عبارة «الحاضرة الإمبريالية» بدلاً من «الإستابلشمنت») أن تنظيم التوترات السياسية بين المؤسسات المخوّلة إنتاج معرفة ذات سلطة (أي الأقسام الأكاديمية في الحاضرة الإمبريالية) أكثر فعاليةً من الماكارثية البسيطة. مدة السبعينيات هذه شَهدتْ ولادة «الدراسات الأمنية»، كفرع من قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية (يبدو أن هناك اتجاهاً إدارياً يَنمو تدريجياً للفصل مؤسساتياً بين مجالَي العلوم السياسية والعلاقات الدولية وهو سيكون له تبعات حتماً على اعتبار أن ولادة قسم أكاديمي جديد هو ولادة نمط جديد من الوجود).

بدايةً كان الهدف منها إنتاج دراسات تضع سياسات للحدّ من انتشار الأسلحة النووية، وذلك كوسيلة لضبط الإنتاج العلمي حول العالم ووضعه تحت الرقابة الدائمة تحت عنوان الحفاظ على البشرية، ومن ناحية ثانية كوسيلة لجعْل قطاع النفط يَبدو طبيعياً ولا بديل منه (وهو ما شرحناه قبلاً في مقال «اختراع النفط»، إذْ إن الحفاظ على البشرية في وجه الاحتباس الحراري الذي يتسبّب فيه النفط لم يعد مهماً، فقط الأسلحة النووية هي الخطيرة على مستقبلنا). لم يكن اغتيال العلماء النوويين هو طريقة الولايات المتحدة للحدّ من انتشار الأسلحة النووية، بل إعادة تشكيل النظام المعرفي عالمياً واقتصادات هذه المعرفة والعلاقات المنهجية بين الأقسام الجامعية.

فكرة العقوبات الاقتصادية لمنْع انتشار الأسلحة النووية هي نتاج الدراسات الأمنية. لذلك، إن هذه العقوبات لا تَرِد في الإنتاج البحثي في قسم الاقتصاد في الولايات المتحدة، وبالتالي لم تتمّ صياغة محدّدات لقياسها (metrics) وقياس أثرها. هنا إشارة إلى أن المجلات المحكّمة في حقل الدراسات الأمنية (المكان الوحيد في الجامعة الذي ستجد فيه ذكراً للعقوبات الاقتصادية من حيث تقييم جدواها) بمعظمها تَصدر عن دور نشر خاصة وليس مطابع جامعية، أو بالأحرى فإن نسبة المجلات الصادرة عن دور نشر خاصة أعلى منها في باقي أقسام العلوم الإنسانية.

تتفرّد روسيا وإسرائيل اليوم بالتبنّي المركزي للمقاربة الأمنية وبتطوير برامج التجسّس باعتبارهما مهمة سياسية مركزية (كما في حالة برنامج بيغاسوس الإسرائيلي) وحملات احترافية للتضليل الإعلامي في الفضاء الافتراضي. حتى بريطانيا لم يعد يُعرَف عنها القيام بهذا النوع من البهلوانيات، وكذلك الصين: رغم حدة الصراع بين الولايات المتحدة والصين اليوم، إلا أنه ليس هناك بهلوانيات أمنية سرية على طريقة سموم فلاديمير بوتين المتطورة. ليس هناك استعادة لجايمس بونديات سنوات الحرب الباردة المبكرة.

المشترَك بين روسيا وإسرائيل اليوم هو قسم دراسات الهولوكوست وقسم دراسات أوروبا الشرقية متقاطعان كموضوع بحثي في الولايات المتحدة إلى حدّ كبير، من حيث الانتماء إلى قسم التاريخ المحافظ منهجياً ورفضهما المستمر للاندراج في قسم الأدب والتسامح مع النظرية الفرنسية. طبعاً الدراسات الأمنية من أكثر المجالات محافظةً منهجياً، أو بالأحرى لا-منهجياً، على اعتبار أن السؤال المنهجي شبه معدوم وإنْ وُجِد فإنه يكون أقرب إلى التحليلية البسيطة (العلاقة المؤسساتية بين دراسات أوروبا الشرقية، دراسات الهولوكوست، والدراسات الأمنية سنَعود إليها في مقالات لاحقة).

فعالية الحرب الإسرائيلية الأخيرة (أَعتقد أننا مُجمِعون على أنها كانت فعّالة) كانت باستعداد مجتمع العدو لـ«التضحية» وليس بالعمل الأمني. رغم كل البهلوانيات الأمنية، إلا أن إسرائيل كانت تَدفع أثماناً كبيرة للتقدُّم في جنوب لبنان، أثماناً لم يكن مجتمعها يتقبّلها في المراحل السابقة. كانت إسرائيل مستعدة لأن يصبح جيشها الجيش الروسي الجديد (الرَوْسنة)، القضم التدريجي للأراضي حتى لو كان ذلك يعني سقوط مئات وآلاف الجنود في أرض المعركة. الإبداع لم يكن في العمل الأمني، بل في دفْع المجتمع الإسرائيلي إلى قبول التضحية دون حدود، وهو ما لم يكن في حساب محور المقاومة.

والإدارة الأميركية هي التي خلقتْ هذا التوجّه في المجتمع الإسرائيلي، وقبله في المجتمع الأوكراني (تحدّثنا قبلاً عن نهاية الهوموإيكونوميكوس، الإنسان «الغربي» ما بعد الحرب العالمية الثانية، العقلاني والاقتصادوي والذي لا يَخوض المعارك إلا عبر التقنيات المتطورة وامتلاك فضاء سياسي أكثر ديناميكية يَجعل مجتمع الخصم مأزوماً). في الأيام القليلة الأولى بُعيد عملية «طوفان الأقصى»، لم يكن الإسرائيليون يتحدثون عن هولوكوست جديدة، بل كانوا يتقاذفون مسؤولية الإخفاق الأمني الذي وقع. الإدارة الأميركية هي التي أتتْ إلى إسرائيل وأَطلقتْ العنان لتفريغ دراسات الهولوكوست في لحظة زمنية واحدة ودَفعتْ المجتمع الإسرائيلي إلى قبول كل «التضحيات» لئلا يتعرضوا لهولوكوست جديدة.

بدلاً من السؤال «كيف تمكّنتْ إسرائيل من جمْع المعلومات عن قيادة المقاومة؟»، علينا أن نَسأل «كيف تمكّنتْ الولايات المتحدة من إقناع حلفائها بضرورة التضحية والتخلّي عن الهوموإيكونوميكوس»، وهو ما يَستتبع سؤالاً فرعياً: «لماذا لم يتمكّن محور المقاومة من الدخول إلى المعادلة السياسية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي (ناهيك بالمجتمع الأميركي)؟». البهلوانيات الأمنية لم يكن في مقدورها تغيير المعادلة السياسية، وما أخشاه أن الغرق في السؤال الأول بدل الثاني يَعني أننا لا نزال نَبحث في المجال الأمني عن الأسباب بدل المجال السياسي. علينا أن نفكّر بالطريقة التي تفكّر فيها واشنطن وليس بالطريقة التي تفكّر فيها إسرائيل.

المشروع السياسي هو الذي يمكّن إيران (وحزب الله ضمناً) من تجنيد إسرائيليين. ولكن حين تَمتلك إيران مشروعاً سياسياً، فهي على الأرجح لن تجد ضرورة للبهلوانيات الأمنية لتغيير الواقع، تماماً كما وَجدتْ واشنطن (وكذلك الصين).

* باحث

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك