وين الملايين؟

نشرت صحيفة «فاينانشل تايمز» يوم السبت تحقيقاً تقول فيه إنّ أوساط محمد بن سلمان باتت تضيق ذرعاً بمستشاري الـ«powerpoint» من جماعة «ماكنزي» و«برايس واترهاوس كوبر» و«مجموعة بوسطن الاستشارية» ومن لفّ لفيفهم ممّن استجلبتهم رؤية ابن سلمان لبلاده في عام 2030. يقول أحد المطّلعين على المشاريع للصحيفة البريطانية إنّ «نيوم تُنهَب، وهناك أسئلة واسعة تُسأل عن الشركات الاستشارية وكيف تستغل المشاريع العملاقة».
أي إن ابن سلمان يسأل المستشارين «وين الملايين؟» التي أُنفقت، واليوم يستجدي ولي العهد السعودي المكرمات أو الاستثمارات، وبعضها أقرب إلى خوّات على الطريقة الترامبية، من إخوانه في التعاون الخليجي لإتمام، ولو هيكل من السراب، الذي رُسم لصحراء «نيوم» على شرائح عروض الـ«باوربوينت» للشركات الاستشارية التي تنافست على بيع «مبس» الدبس. في وقت تشنّ واشنطن وتوابعها حرباً على جنوب الجزيرة العربية، «الملايين» تُنفق على فكرة ألعاب أولمبية شتوية في صحراء شمال الجزيرة، وذلك خيرٌ من أن تُلقى هذه الملايين قنابل من مقاتلات سعودية على الشعب اليمني كما فعل ابن سلمان أوّل طلعته.
«وين الملايين؟» سؤال يُطرح في منطقتنا العربية بصيغٍ مختلفة منذ أجيال. الملايين غالباً ما يكون المقصود بها هي الشعوب التي بات تعدادها بمئات الملايين. لكنّ السؤال يتكرّر أيضاً عن ثروات هذه الشعوب التي تُقيّم بملايين الملايين، غالبيتها لا تختلف عن ودائع المودعين في المصارف اللبنانية، إذ هي موجودة كأرقامٍ حسابية على شاشات الحواسيب لكنها لا تُترجم ثراءً ورفاهاً للشعوب التي تملكها.
ما الذي يضطرّ محمد بن سلمان إلى استجداء الاستثمارات الأجنبية التي فشلت حتّى الآن في الوصول إلى كَسْرٍ من مجموع التدفقات التي توقّعتها نبوءات مستشاري الـ«باوربوينت»؟ كلّ ذلك في وقت تتبجّح فيه السعودية بأن الصندوق السيادي للمملكة تفوق قيمته المليون مليون دولار موزّعة بين مضاربات أسواق الأسهم العالمية وأسهم مواهب كرة القدم الصاعدة. للإجابة على السؤال، لعلّ أصدق ما قيل في «الصناديق السيادية» هي العبارة التي تتصدّر صفحة «الهيئة العامة للاستثمار» الكويتية باللغة الإنكليزية القائلة بأن «الهيئة» هي «قوة خير في الأسواق العالمية». أي إن «الملايين»، أو ملايين الملايين، هي بكل بساطة لخدمة استعمار الرأس المال العالمي. هي خوّات يدفعها «سياديّو» هذه الصناديق للحفاظ على مواقعهم في هذه المنظومة.
في السياق اللبناني الضيّق، يطرح الحُكم اللبناني المستجدّ، والمستجدي عوناً وسلاماً من الخارج، سؤال «وين الملايين؟» يومياً على من وعدوا منحه الدولارات والدنانير الإصلاحية والإنقاذية لتثبيت حكم وُلد على المحكّ في ظل اشتعال غير أزمة على امتداد الأقطار العربية. يكاد الولي الصالح يتفاءل من بريق عيون أولياء الأمر الجدد الأبرياء الذين صدّقوا ويصدّقون أن هناك من سيعينهم في ضيقهم، كأنّ من يعدهم بالسخاء يعيش برخاء. لن تمطر المكرمات الموعودة على لبنان التي تتلطّى خلف شروط تعجيزية، لكي لا نقول فتنوية، في وقت يتخلّف فيه واعدها عن الوفاء بعهود قد تحدّد إرثه التاريخي في نجد والحجاز.
لن تمحو «نيوم» فشل الحرب السعودية على اليمن، لكن حتماً لن تذهب ملايينها الشحيحة اليوم لنصرة «النصرة» في سوريا أو إصلاح وإنقاذ حكومة تعجّ تشكيلتها بمستشاري الـ«باوربوينت» في لبنان. وفي ظل غياب الدبس من…جيب الـ«مبس»، سيكثر الحديث عن الصناديق الاستثمارية السيادية التي ستُخصّص وتُخصخص لبناء غير «نيوم» في بلاد الشام. لكن لحسن حظنا، ما من «ملايين» في سرابنا الموعود، فهو بالكاد بضع ساعات من الكهرباء، أو بعض الزفت لترقيع الطرقات. لم تغرِنا ولن تغريَنا «نيوم» المتخيّلة يوماً، لا بملايينها ولا بملايين ملايينها المفترضة. مستقبلنا في مكان آخر. القدس أقرب، وهي ليست سراباً.
* من أسرة «الأخبار»
