ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

نُحاس وتراب: المسألة التقنية وإسرائيل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عوني بلال
عوني بلال
الإثنين 17 آذار 2025
الخط


واحد من الكتب الذي تتحتم دراسته - لا قراءته وحسب - هو كتاب «كيف تنجح إسرائيل باغتيالاتها – المفاتيح التقنية في منهجيات التصفية الإسرائيلية». في قرابة 400 صفحة، يوثق الباحث عبدالحق السرابي 120 عملية اغتيال نفذتها إسرائيل لقادة وكوادر من فلسطين ولبنان، ويجمع ما توافر عنها من معطيات، ويخرج باستنتاجات حيوية حول تقنيات إسرائيل في حملتها المفتوحة على أعدائها، مكرراً سؤال: كيف ينجحون؟ بعض الاستنتاجات له صفة يقينية، وبعضه الآخر استقراء حذر وتخمين متبصّر.

الكتاب ليس أرشفةً لما حصل، بل استكشافٌ لكيفية حصوله. لا ينفق الكاتب سطراً واحداً على كلام القانون أو رثاء الشهداء أو اتهامات الإجرام، بل يركّز جهده في القراءة التقنية الدقيقة لكل اغتيال. عملٌ جليل لمن يعيشون سياقنا التاريخي ويشغلهم هذا الصراع، لولا شيء واحد: أن الكتاب لم يُنشر حتى اليوم، وأنه لم يُكتب حتى الساعة، وأن عنوانه ومؤلِّفه وعدد صفحاته جميعها من اختراعي.

لا أدري حقاً أيهما أحطّ لشرف الكتابة؛ مخادعتي للقارئ في مطلع هذا النصّ أم الغياب الفعلي لكتاب من هذا النوع. لكن الأمر لا ينتهي هنا، والباب انفتح الآن على بحر من الاحتمالات (والخيالات). خذوا مثلاً كتاب «اغتيال (المهندس): التسميم التقني في سياق الحرب الإسرائيلية على المقاومة». يدرس الكتاب تصفية الشهيد يحيى عياش باستخدام هاتف ملغوم، ويجري مقابلات عدة مع خبراء تقنيين، ويستشرف آفاق هذه المقاربة التقنية في الإبادة الجسدية، ويحذر من إمكانية توسيعها لمستويات حربية جماعية، وبما يتجاوز حدود توظيفها الفردي، ويتحدث بإسهاب في فصل الكتاب الأخير عن خطر «التقنيات المحمولة» في معارك المستقبل. ومرة أخرى فمشكلة هذا الكتاب العظيم كمشكلة سابقه: أن أحداً لم يكتبه وأن وجوده أكذوبة من تلفيقي، وأن شاهدَ غيابه أفدح من أن يُذكر وأكبر من أن يستلزم الإشارة.

لا أكتب هذا عن خفة، ولا رغبة في التسري. أكتبه اتهاماً لنفسي قبل غيري. ثم أكتبه اتهاماً للبقية. زحمة تاريخية لا شبيه لها في الباحثين والخبراء وصانعي المحتوى والكتّاب والمحللين، وبمروحة شاسعة من العناوين المتعلقة بهذا الصراع... باستثناء موضع واحد، هو الموضع التقني. في مضمار الكتابة، هنا أقل المواضع ازدحاماً، وقد تصفُر فيه الريح أحياناً لقلة سالكيه.

وعندما تجد شيئاً مكتوباً فماذا يكون؟ ملخصات... ترجمات... وموادّ لا أجد لوصفها تعبيراً غير «الترفيه المعرفي الرصين». ويبدو أن الدافع الغالب عند الكتّاب هنا هو تثقيف الجماهير وتبسيط المعقّد وتوفير «قراءة ممتعة». هذا هو السقف. كم عملاً بحثياً بالمقابل كتبه عرب في مسائل تقنية تمسّ هذا الصراع وأثّرت في توجهات حركات المقاومة، أو نبّهت كوادر تلك الحركات إلى جانب غائب عنها، أو تمكنت من استشراف خطر قبل وقوعه؟

في التراث العربي قصة قصيرة مروية بأكثر من صيغة ولكن جوهرها واحد: حيوان وضيع (أحياناً يكون تيساً وأحياناً يكون جدْياً)، يجد طريقه إلى صخرة عالية على سفحٍ وعر ويكسب بذلك موضعاً مطلاً ومحمياً. يمرّ ذئب بعد قليل، فينفجر التيس بِوَصلة شتائم وبذاءات، مطمَئناً لحصانة مكانه. يقف الذئب صامتاً ساكناً وهو يسمع سيل الإهانات. وعندما يتعب التيس ويتوقف، ينطق الذئب بعبارة ذهبية فيقول: أنت لا تشتمني، ولكن يشتمني المكانُ الذي أنت فيه.

أكثرنا اليوم لا يملك حكمة ذئبنا هذا، ويغرق في التنابز مع تيوس كثيرة من حوله. إسرائيل لا تقتلنا ولكن يقتلنا المكانُ الذي هي فيه، وتقتلنا الصخرة التقنية التي تقف عليها. حربنا - قبل أن تكون مع إسرائيل - هي حربنا مع صخرتها، ولكننا غالباً ما ننسى الصخرة ويشغلنا التيس المعتصم بها.

لا يحتاج المرء أن يسرف في الأمثلة. يكفي أن تفكر في تلك الكتلة المعدنية المجنّحة، المدعوة بالطائرة الحربية. أيُّ دور هائل لعبته هذه الآلة في مسار هذا الصراع، لا على صعيد الحروب وحسب وإنما على مسارات السياسة وانعطافات الأحداث. ضجيج كبير يحصل أسفل الطائرة على الأرض؛ صراعات فكرية ومعارك وعي وكتابات وطروحات وسجالات، ولكنّ كثيراً من هذه ليست سوى هامش على هدير ما يجري في الأعلى.

يؤلمني كم من كلامنا يبدو استدراكاً متأخراً لما تفعله تلك الآلة بنا، ويدهشني الحد الذي يرسم به هذا الوحش الطائر حدود الخيال السياسي لكثيرين في مجتمعنا. تقنيات متناهية الصغر، جُل ما فيها موصلات وأشباه موصلات، تلوي عنق التاريخ وتغير مسارات أمة بأكملها. أن ترى مصيرك معلقاً بصفائح مصنوعة من نحاسٍ وتراب، فهذا يوجب تأملاً دائماً وبحثاً محموماً عن الخلاص.

في هذه المواجهة العسكرية الدامية، لم يحصل مرة نقصٌ في الرجال ولا في البطولة، ولا في سدنة الوعي وحماة الكلمة المقاومة. المقتل الدائم كان أمراً تقنياً


للراحل غسان كنفاني مقولة شائعة يكاد يعرفها حتى من لم يقرؤوا يوماً للرجل: «أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح». في الماضي، كنت أقرأ العبارة وأرى فيها شاهداً على تواضع رجل كبير. لم تكن العبارة شيئاً يقوله غسان لنا، بل عبارة تقول لنا شيئاً عن غسان. لكن الأحداث الكبرى التي عشناها غيّرت الأمر بالنسبة إليّ. لم يعد للتواضع شأن بالموضوع.

واستقرت قناعتي بأن الرجل كان يعلن فكرة بسيطة، وأنه كان يعنيها بحق، وأنه لم يكن يكشف عن سجية عالية في نفسه ولا فضيلة شخصية. هذا من الاكتشافات التي تدعو إلى الخجل: أن تدرك متأخراً أن المعنى الفعلي ظاهرٌ على السطح، وأن الغوص في أعماق متخيلة يُضيع الفائدة. إن الكلام تعويض صفيق عن غياب السلاح. لا يمكن تبسيط الأمر أكثر من ذلك. في هذه المواجهة العسكرية الدامية، لم يحصل مرة نقصٌ في الرجال ولا في البطولة، ولا في سدنة الوعي وحماة الكلمة المقاومة. المقتل الدائم كان أمراً تقنياً. في جوهرها، ماذا كانت لحظات الاستبسال الأقصى التي أبداها المقاومون سوى تعويض رفيع عن فارق السلاح، وعن فارق التقنية؟

ما جرى عصر الـ 17 من أيلول 2024 لأجهزة النداء الآلي في لبنان هو في قلب الموضوع. من منظور تقني، كان الأمر عودة للخامس من يناير 1996، يوم اغتيل القائد القسّامي يحيى عياش. ما كان اغتيالاً فردياً، عبر تفخيخ جهاز اتصال واحد (وأيضاً عبر بطاريته)، جرت مكننته وصار خط إنتاج. لا أحاول رسم قوس طويل بين حدثين، ولا أريد تدبيج سياق تاريخي للحدث العسكري الذي صنعته إسرائيل.

الأمر يتعلق بسؤال واحد لا تعقيد فيه: ماذا فعلت عملية اغتيال المهندس يحيى عياش في وعينا العام منذ أن حصلت؟ لا أحب أسئلة «الوعي العام» لأن قياس شيءٍ كهذا أمر عسير وفيه من الشِّعر أكثر مما فيه من الحقيقة الصلبة، ولكننا نملك مؤشراً عملياً ودالّاً حول أثر عملية كهذه فينا: كم كتاباً أُنجِز منذ تلك الحادثة حول مسألة التسميم التقني عموماً، وفي سياق الصراع مع إسرائيل خصوصاً؟ دعوكم من الكتب. كم عملاً بحثياً أنجز في هذا الإطار؟ كم ملفاً صحافياً كتبنا؟ كم ندوة تداولية أقيمت لنقاش هذه المسألة؟ لقد كَتب عالَمنا العربي وباحثوه المحترمون عن الديالكتيك الهيغلي والكوجيتو الديكارتي أكثر بكثير مما كتب علماؤه ومهندسوه عن أدوات الإفناء الإسرائيلية وعن سبل مقارعتها الممكنة.

كم كَتبنا عن هندسة الأنفاق ودورها العسكري في مقابل ما كتبناه عن لغويات فيتغنشتاين وإسهامات سارتر في الفكر الوجودي؟ ودون انتقاص لأحد، فالأمر مدهش عندما تتأمل في الوزن الفعلي لهذه المسائل على مصائر الناس والدول وكم ننفق فيها مقارنة بسواها. ليست الشكوى هنا من اهتمام أحد بمسائل فلسفية مرهفة. الشكوى هي من غياب اهتمام مقابل بمسائل وجودية ومصيرية لا معنى لأي فلسفة إن خسرناها.

لا أتحدّث عمّا يجري داخل حركات المقاومة حيال المسألة التقنية. سرّية هذه الحركات تسحب البساط من تحت محاولات الدراسة. ما يمكن الحديث فيه هو ما يقع خارج تلك الأسوار. أُقلّب في أرشيف 3 مجلات محترمة مهتمة بالصراع العربي الإسرائيلي، وسريعاً أتحوّل من وضعية التقليب إلى وضعية التنقيب لأرى كم من العناوين يتعلّق بالملف التقني. لا مفاجأة بالقول إن الخلل بالتوازن مريع في مداه. لكن الرد جاهز: هذه مسائل تقنية، ونحن مؤسسات ثقافية. لا أعرف تماماً كيف تبلور هذا الموقف من المضمار التقني، وكيف تم تصويره شيئاً حُوشياً، له كل الاحترام، ولكنه ليس ضمن العنوان الثقافي الكبير، وأن البحث فيه والعمل عليه له خصوصية مضاعفة تُخرجه من دائرة الاهتمام لأكثر مؤسسات العمل الفكري والصحافي.

أمثلة كثيرة يمكن ذكرها لكني سأكتفي بواحد منها، لا لقيمة خاصة فيه ولكن لبساطته: خلال الحرب على الجبهة اللبنانية في «طوفان الأقصى»، عرف لبنان عدداً وفيراً من حالات «خرق جدار الصوت». قيل كلام كثير عن استخدام إسرائيل لهذا الكسر الصوتي بدافع بثّ الرعب وإثارة الهلع بين الناس. لكن الأمر كان غريباً. كان مستوى «الكسر» متفاوتاً بين مرة وأخرى. وكان من الواضح أن هذا «السلاح النفسي» يمكن توظيفه في أوقات وأماكن أكثر تأثيراً لو أرادت إسرائيل، ولكنها لم تفعل. هل يمكن أن يكون للأمر دافع لا يتعلّق بالتخويف إطلاقاً؟

هل يمكن أن يتعلّق الأمر بمسألة تقنية بحتة... بالدويّ وخصائصه وخصائص ارتداداته ونفاذه الموجي؟ هل حاول أيٌّ من المتخصصين في الأبحاث العسكرية والأمنية أن يجمع البيانات المتاحة عن حالات خرق جدار الصوت في لبنان، زماناً ومكاناً، ثم رتّبها جدولياً وتأمّل فيها بحثاً عن نسق ما... عن منطقٍ كامنٍ ما؟ من الوارد ألا يكون هناك منطق ولا نسق، أو أن تكون المعطيات أقل من أن تسمح بكشف الحقيقة، ولكن الأمر كان يستحق محاولةً بالحد الأدنى. ولا أظن أحداً فعل ذلك. مَن بحث مثلاً في تقنيات الرصد الجوي للأنفاق وبنى تصوراً علمياً لإمكاناتها وحدودها؟ مَن قدّم دراسة تفصيلية في إمكانات طائرات التجسس المتسكعة ليل نهار على شواطئ غزة ولبنان وعلى نحو يتجاوز ترجمة مقال من موسوعة هنا أو عمود صحافي هناك؟

لا يعاني أنصار الفكرة المقاومة نقصاً في القادرين على خوض غمار الملف التقني. المشكلة هي العزوف عن خوض الغمار. ولديّ أسباب كثيرة للاقتناع أن هذا العزوف يجري دون وعي من أصحابه. يكفي أن تقرّر مؤسسات ثقافية وصحافية (ومنها «الأخبار») أن تفرد جهداً بهذا المضمار حتى يظهر من هم جاهزون للتجنّد على هذا الثغر المهجور. ليس الهدف مراكمة ترجمات ومنشورات للتثقيف العام، ولا إضافة صفحة خاصة عن «العلوم والتكنولوجيا» بل إنشاء مساحة تمنح الواقفين بوجه إسرائيل مرجعاً معرفياً حقيقياً، وتفتح الباب لأصحاب المعرفة التقنية للإسهام في واحدة من أهم جبهات هذا الصراع وأكثرها نزيفاً.

* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك