غزوة مخيم البداوي: في الطائفيّة والمقاومة

يستطيع المواطن اللبناني أنْ يتحمّل كلّ التكلفات الممكنة في سبيل التعبير - كلّما سنحت الفرصة - عن حالة انفصامه على نفسه من جهة، وفي حالة انقسام مجتمعه عن نفسه من جهة ثانية. إنّ أكثر كلمة مستخدمة بعد كلمة الله في لبنان هي كلمة السياسة. فالله والسياسة دلالتان مهمّتان حتّى نفهم كيف تتحرّك الجماعات في لبنان.
تستطيع مفردة الله في مجتمع كالمجتمع اللبناني أنْ تأخذ شكل الطائفة. غير أنّ السياسة المخبوءة دوماً والمكشوفة في كلّ حين، تشتغل على الفتنة كأنّها عمل ديموقراطي.
انتشر فيديو أخيراً لمجموعة شبّان في طرابلس وهم يصادرون قوافل معونات آتية من الجمهورية الإسلامية برعاية حزب الله زكاةً لأهلنا اللاجئين في مخيم البداوي. استيلاء هؤلاء الغاضبين ناتج من أنّ أهل مدينة طرابلس هم أولى بذلك منهم، ولا يسمحون بدخول أي شيء من إيران وحزبها، تبع ذلك تسجيل صوتي يؤكّد منع أي شيء يأتي لو حتى من الضاحية مع شتم وإهانات للشهيد نصرالله.
هذا المشهد لوحده يوازي مشاهد حصار غزّة من جهة، ومشاهد المستوطنين على «التيك توك» وهم يستهزئون منّا أنّهم اغتالوا لنا أعزّ قادتنا من جهة أخرى. وكأنّ هناك ارتباطاً اعتباطيّاً بين الطائفية وبين الموقف من الصراع مع العدو الإسرائيلي.
يعبّر الفيديو عن قضايا ثلاث متشابكة، ترتبط الأولى بما يمكن أنْ نسمّيه «تشوّه الطبقية»، لأنّ تفكيك «نحن أولى منهم بها» يشير إلى مفاضلة الحاجة لأنفسهم ضدّ محتاجه عمداً. يعترف «روبن هود» الطائفة هنا أنّ فلسطين ليست منّا، بالأحرى لم تعد منّا لأنّنا تركناها، ونتركها دوماً.
تضطلع الطائفية هنا بهذا الدور، أي تقزيم المفاهيم وتشويه الوقائع لأنّها تبرّر أي ذنبٍ سياسيّ. غيرةُ الدين الضيّق هي البنى العميقة للمواقف السياسية في لبنان. إنّ أكثر الشعوب المسيّسة إطلاقاً هو الشعب اللبناني، ولكنّه في مقابل ذلك هو أجهل الناس بها. ليس ثمّة موقف سياسيّ في لبنان، بل هناك موقف طائفي كافٍ وشافٍ في ضبط الأولويات وتخدير الواقع يركن إليه المرء ويسلك في ركابه.
إنّ قراءة المشهد من الأعلى، تجعل الرؤية أكثر اتّساعاً وتحيل النقاش إلى الكيفية التي ترتبط بها الطائفية بالموقف من الصراع مع الاحتلال.
لقد قال ألكسندر دوغين في مقابلته الأخيرة كلاماً حقيقيّاً ولكنّه مرّ، إذ قال إنّ العرب والمسلمين قد أثبتوا في هذه الحرب الأخيرة أنّهم غير جديرين في الانتماء والدفاع عن قضاياهم. بالتأكيد لا ينظر دوغين إلى واقع أنظمتنا ويتّهمنا، إنّما يستدلّ بواقع شعوبنا الساكنة، حيث لم تحرّكهم صور الإبادة ولكن يثير حميّتهم المسّ بحَرَمِ الطائفة.
إذاً، يعطينا ذلك مساحةً للمنحى السياسي المضمر في فكرة مصادرة معونة ذاهبة إلى لاجئين فقراء بحججٍ طائفية-سياسية مجترة.
اعترفت في غير مرّة الانعزالية اللبنانية أنّها لم تكن مستعدّة لأخذ السلاح لمواجهة المحتل الفلسطيني من إسرائيل فقط، إنّما من الشيطان ذات نفسه كذلك. أنوي القول بهذي المقارنة، إنّ فعل المصادرة ذاك، هو براءة ذمّة غير موجودة من مرتكبيها، أنّنا لسنا فقط سنحاصر فلسطين من لدنّا، إنّما سنتطوّع دفاعاً عن الطائفية لنقطع طريقاً ونصادر - حين يلزم الأمر - شاحنة محمّلة بالصواريخ المتّجهة صوب إسرائيل، وهذا شيءٌ حدث قبل ذلك.
يلخّص مهدي عامل ذلك بأنّ الحرب الأهلية في لبنان ليست حرباً أهليّة طائفية ما دامت إسرائيل أهم قضية مختلف عليها بين المتقاتلين. لقد أثبتت الحرب الأخيرة أنّ العالم كلّه مع إسرائيل، حتّى العرب أنفسهم، ولن يسمح أحد بهزيمتها.
والتنظير القاصر والمتعمِّد بأنّ ما نسمّيها «حرباً أهليّةً» ما هو إلّا حرب الآخرين على أرضنا، هو موقفٌ مؤسِّس للمواقف المطروحة حالياً كلبنان لا يريد الحرب، ولعبثية جبهة الإسناد. ويبدو من الملحّ السؤال من هم المقصودون بالـ«نا» هنا؟ أرض من بالتحديد؟ فإذا كان شهيد اليوم في الجنوب مشكَّكٌ في وطنيته فما بالك بشهيد الأمس؟ ولذلك عادةً ما تبدو سياقات الحرب الأهلية في لبنان وأشكالها متزامنة مع سياقات احتدام المشروع الصهيوني في المنطقة.
يبدو منطقياً إذا قُرِئتِ المسألة بعدسة أكبر أنْ ننحو بسهولة صوب التفريق بين معنى الحرب الأهلية «في لبنان» وبين الحرب الأهلية «على لبنان».
إنّ الـ«على» تلك، تزيل عن الحرب طابعها القروي الأهلي، وتكشف عن تسلل السياسي الخفي إلى الطائفي المكشوف. يصبح بذلك التنكّر للصراع في اللحظات المصيرية، لا يعدو كونه نكايةً بنضالات الآخر. وتصبح محاسبة سنّة المخيم على انحيازاتهم السياسية، أهمّ من حركة مقاومة بكاملها.
إنّ المجتمع في حالة كالحالة اللبنانية قادرٌ إذاً على أنْ يعطي لأي شيء في البلد، كبُر أو صغر، سبباً للتلويح دوماً بحرب أهلية بنكهة إسرائيلية سيادية.
هناك طرفة تاريخية في الدستور اللبناني أنّ لبنان وطنٌ نهائي لجميع أبنائه. التلقّي البريء للعبارة يوحي بأنّ مخاض حرب 75 ولّد لدى اللبنانيين تعريفهم الكبير للوطن ولأنفسهم. فيما الواقع لا يرقى للغة العبارة.
لذلك، فالدساتير التي لا يكتبها المجتمع هي دساتير سلطة وليست دساتير أوطان. لبنان الوطن مفهوم غائم جدّاً، والوطنيُّ اللبنانيّ إشكاليّةٌ قائمة بذاتها.
ولذلك ما جاء في الدستور هو كلام يشبه كلام الأغاني الوطنية ولا يعكس قيماً ورؤىً وفضائل. فالهويات ليستْ حقائق بسيطة وجوهرية ندخل عليها بالميلاد في هذا الشعب أو ذاك، بل تبنيها السياقات الاجتماعية والثقافية التي نعيش فيها، ويبنيها الآخرون، ونبنيها نحن أنفسنا. ربّما هذا ما يفسّر اندفاعة معظم مؤيّدي المقاومة من غير المنتمين إلى مجتمعها وعقيدتها، للتلميح دوماً إلى مذهبهم وتأييدهم للمقاومة في الوقت عينه. وكأنّ في ذلك محاولة لتركيب هوية وطنية تنطلق من أنّ الدفاع عن البلاد والعباد ودين ربّ العباد، لا يمكن أنْ يتمّ دون المواجهة مع العدو الإسرائيلي.
يبدو منطقياً إذا قُرِئتِ المسألة بعدسة أكبر أنْ ننحو بسهولة صوب التفريق بين معنى الحرب الأهلية «في لبنان» وبين الحرب الأهلية «على لبنان»
وفي هامشٍ أخير، تشير نهاية الفيديو المذكور - أي الدعاء على الفلسطينيين وعلى كلّ من يناصر الشهيد نصرالله بأنْ يُحشر معه يوم الحشر – إلى إيحاء استعلائي طائفي مزيّف لادّعاءات الفرقة الناجية. وفي ذلك مؤشّر إلى مشترك طائفي واحد دائم وثابت هو إلغاء الآخر. حيناً بأنّنا نحن الفرقة الناجية في الإسلام وهم الفرقة الهالكة. وحيناً بسردية لا يشبهوننا ولا نشبههم في المارونية السياسية. فالرفيق أحمد الشرع، كما لقّبه شارل جبّور، هو رجلٌ مناضل وشريف لأنّه في رأي جبّور، أثبت أنّه محرّر. جبّور اليميني الطائفي المستعد أن يكون داعشياً ضد المقاومة كما صرّح مرّةً، هو نفسه المتطرّف المسلم الذي صادر معونات الفلسطينيين وهلّل ضدّ المقاومة للجولاني رفيق ذلك الانعزالي.
لذلك فالفارق حادٌّ جدّاً بين لبنان المُتخَيَّل في رأس كلٍٍّ منّا، وواقعه، وبين التاريخ كما نتخيّلُه وواقعه الموضوعي. ففينيقيا عند المارونية السياسية هي الرديف الإسلامي لفكرة الخلافة. إذ الفكر الإلغائي والإقصائي عند الانعزالي أم عند المتطرّف هو بمنزلة الأداة النظرية الأساسية التي ارتكز عليها ابن خلدون في منطقه التأريخي حول العصبية.
لذا الاعتراف بأنّنا لا نزال مقيّدين بالتحليل الخلدوني هو أمر يحتّم علينا ألّا نتعالى على واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي. بمعنى أنّنا لا نستطيع اليوم أن نتجاهل الطائفيات المستشرية في بلادنا، ولا أنْ نغفل تلك العصبيات من تحليلنا وقراءتنا وإستراتيجيتنا.
إنّ أيديولوجيا التعصّب بوجهيها الفئويين الانعزالي والتطرّفي، مسيحيّاً وإسلامياً، تنبع من بنية فكرية واحدة حتّى وإن كان ثمّة تناقض واختلاف بينهما في الظاهر. يشير مهدي عامل بصراحة إلى هذه المسألة في كتابه «مقدّمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني»، حيث قال صراحةً: «إنّ التربة الواحدة التي تنبت عليها أفكار متعدّدة قد يبلغ الاختلاف بينها حدّ التناقض، إلّا أنّ جذورها تمتدّ في تربة واحدة هي التي تحدّد لها طبيعة نشأتها ومجال تطورها.
ووجود التناقض بين هذه الأفكار لا ينفي وجودها في تربة فكرية واحدة، بل قد يكون دليلاً عليه، إذ لا تناقض إلّا بين أطراف تضمّها وحدة بُنية». فعلاقة الفكر الطائفي بالواقع هي علاقة تأبيدية، تقوم بدفاع شرسٍ عمّا هو كائن في مواجهة كلّ من يعمل لتغييره. وبالتالي لا غرو أن تصبح مواجهة المقاومة وحصارها بزجّها في صراع طائفي هالك والتشفّي من كلّ من ينتمي إلى المقاومة عبر تبرير جرائم العدو الصهيوني، أولويةً قصوى تستدعي كلّ أمم الأرض للدفاع عن الطائفة.
إذاً، ماذا بعد؟ يقول الدكتور سعود المولى إنّه لم يكن يوماً ميزان القوى لمصلحة حركات التحرر في العالم العربي منذ عام 1917 حتّى الآن. إلّا أنّ ذلك لم يمنع تلك الحركات من أن تكون حجر عثرة في مواجهة المشاريع الغربية والصهيونية. ولكنّه أشار في السياق ذاته إلى أنّ الانقسامات المذهبية والطائفية لم تكن على هذا القدر من الاحتدام كما هي عليه اليوم، واستدلّ على ذلك بأمثلة كثيرة عن العلاقات الطيبة بين حركة الإخوان المسلمين وبين الثورة الإيرانية، وبين الفقة السني وبين الفقه الشيعي… إلخ.
ولذلك لا يمكن فهم استشراس الطائفية ضد المقاومة في بلادنا الآن بمعزل عن التحوّلات السياسية في العالم من جهة وعن ميزان القوى السائد من جهة أخرى. عنوان القادم والآتي بات يتكشّف، لم نعد في عالم خاضع لميزان الشرق/الغرب، الاشتراكية/الليبرالية، مسلم/مسيحي، بل اختلّ الميزان اختلالاً حادّاً حدّ أصبح اليوم قائماً بين كفّة المقاومة وكلّ من يقول لا للهيمنة الغربية وبين كفّة كلّ من الإمبريالية الأميركية والأطماع الصهيونية والرجعيات الخليجية وقوى الإسلام السياسي من إخوان وسلفية وجهادية وأخيراً الانعزالية.
وإلّا ما الذي يجعل من فيديو صغير ينضح طائفية ويرشح رجعيّةً قادراً على أن يكون مشهداً من مشاهد الصراع العدة؟ فالإعلام والقدرات العسكرية والتكنولوجية والمالية، وآلاف المهووسين بالقتل والنحر والدماء، كلّ ذلك يعمل لتأبيد واقع الهيمنة والاحتلال وربطه بكلّ أشكال الصراعات.
* كاتب لبناني
