نحو نموذج «الكتائب» في الساحل السوري؟

هنالك عدد من الأسباب لحب كازاخستان لدى زيارتها. ربما هو إعجابي بكل ما هو سوفياتي، من الهندسة المعمارية للمباني - خارج النموذج الحداثي في أستانا طبعًا - إلى شبكة سكك الحديد المنتشرة بالبلاد من إرث الحقبة الاشتراكية الذي حافظ عليه الكازاخ رغم بطء القطارات، إلى تواضع ونشامة الروس من حاملي الجنسية الكازاخية الذين لا يتصرفون البتة وكأنهم «أبناء الخواجة».
وربما قد يكون السبب هو الكازاخ أنفسهم. أعرف شعور عامر محسن عندما قال إنه زار مناطق الكازاخ بالصين وأنه أحبهم وأحبوه، فقد عانقني أحدهم عندما قلت له إن مسلمي المشرق يفتخرون أن كازاخياً هو من رفع العلم السوفياتي على الرايخستاغ بعد دخول السوفيات برلين في نهاية الحرب العالمية الثانية. أحببت الكازاخ وطريقة حياتهم وملبسهم ومأكلهم (بما يشمل لحم الحصان!) ومسكنهم البدوي وفخرهم الشديد بشعرائهم المتدينين الذين يتبعون المذهب «الحنفي الماتريدي» الذي اشتهر في «بلاد ما وراء النهر».
لكن إن كنت قد زرت بلداً في مدة أقل من أسبوع، ستحاول أن تعثر على نظرية (كسولة فكرياً بعض الشيء) لفهمه. نظريتي هنا أنه ليس هناك ثقافة «ساحل» في كازاخستان ترى نفسها أكثر تمدناً أو حضارة من ثقافة السهوب. لهذا السبب، مثلاً، أرتاح للعراقيين، الذين ليس عندهم ثقافة ساحلية «مهيمنة» آتية من شط العرب (اسمه شط العرب، ماذا تتوقع؟). ساحل الكازاخ موجود على بحر قزوين، وهو بحر مغلق غير مفتوح على «العالم الحر» أي إن كل الجمهوريات التي تتقاسمه تتبع مبدأ «حارتنا ضيقة وبنعرف بعضنا». قارن ذلك بدول شرق المتوسط التي تتقاسمه مع جار «الفوقية الحضارية» في أوروبا بل مع جيب استعماري اسمه إسرائيل.
الأمر لا علاقة له بالطائفة أو الأقلية ولا بالأحداث الأخيرة. صديق عائلتنا هو من ذوي الأصول اليافاوية العائدين إلى فلسطين في التسعينيات، وهو أحد أولئك الفتحاويين المناهضين للنظام السوري السابق، وتلفازه دائماً مفتوح على قناة «العربية – الحدث». الرجل أخبرني أنه لا حضارة لدينا بالضفة الغربية لأنه ليس هنالك مدينة كبرى لدينا كما القدس وحيفا. الأمر واضح، يوجد في شرق المتوسط ثقافة ساحلية عنصرية، تكملها ثقافة «المال الجديد» (New Money) الساحلية العنصرية في الخليج.
أضف إلى عقدة الفوقية لدى الساحل ثقافة «عقدة الضحية». لا تتوقع مني أن أتخلى عن برودي الفكري من أجل الضحية «العلوية»، بعدما رفضت التنازل من أجل الضحية «السنّية» في سوريا بعد 14 عاماً من الابتزاز العاطفي، من قبل نخب «ثورية» تبين أنها ديكور لا أكثر للواقع البلقاني في سوريا. والأمر لا علاقة له بالفوقية الأخلاقية من قبل غير الطائفيين تجاه الطائفيين كما يقول عامر محسن. حتى أسطرة الضحية الفلسطينية، كلنا نعرف أنها نتاج الانتقال من المشروع الحداثي العربي بالقرن العشرين إلى مشروع «البكاء» على «الضحية» الفلسطينية بالقرن الحادي والعشرين.
في الواقع، ليس هناك شخص اسمه «الضحية»، بل الفئة الأدق هي «سيئ الحظ» بالتراكم المادي التاريخي. الفلسطينيون سيئو الحظ، لأن إسرائيل وأميركا تمكنتا من إخراج العرب - وبالأخص مصر - من الصراع العسكري معها، والسوريون سيئو الحظ لأن هذا السياق الجيوسياسي، أخرج المشرق وسوريا من منظومة الأمن القومي العربي وجعلهما مكشوفين أمنياً. هذا هو الأمر ببساطة دون الإسراف بالبكائيات على الضحايا. أضف إلى ذلك أن السوريين أسوأ حظاً من الفلسطينيين لأن قضيتهم عامل تفرقة وليست عامل توحيد، واليوم وصلت المسخرة إلى مرحلة جديدة حيث أصبح عليك أن تختار بين الاتحاد الأوروبي (المتحرر) وتركيا الداعمين للسنّة وبين اليمين الأوروبي البديل الذي يريد حماية العلويين.
أنا أتفهّم عامر محسن عندما يقول إنه لا ينبغي للعروبيين واليساريين أن يحتقروا الطائفيين. هذا يشبه ثقافة 17 تشرين، التي تتلذذ بنرجسية وهم القبض على «كل الطائفيين يعني كلن»، وعمل «فركة أذن» لهم. جزء من 17 تشرين هو أيضاً ثقافة ساحلية عنصرية، تريد صناعة ليس سويسرا العرب، وإنما كاليفورنيا العرب، حيث في إمكانك قانونياً أن تدخن الحشيش وأن تتعاقد بزواج مدني بشرط أن يأتي ذلك على حساب نزع سلاح ابن بلدك الذي يقاتل جارك الفاشي الإسرائيلي الذي ينتمي إلى ثلاثينيات القرن الماضي (وفي النهاية يتمنّن ثوار بيروت على اليساري الممانع أنهم يحبون السوريين والفلسطينيين معاً ولا «يفضّلون» قضية على أخرى).
لكن حتمية الطائفية لا تعني الاستسلام لتضليلها الأيديولوجي، غريمنا اللدود هو ليس الطائفي بالميدان المشرقي، بل المثقف البعيد الذي يعتبر نفسه جريح المد الإيراني أو التركي وهو جالس على هاتفه في شقته في بيروت ودبي والرياض والدوحة.
قلق الساحل الوجودي من الداخل، والذي تأجج أخيراً، ليست مشكلته فحسب في أنه يفتح النقاش حول تطبيع العلويين مع إسرائيل، بل في أنه يجعل النخب اللبنانية تقبل سلاح حزب الله فقط لمحاربة غير إسرائيل. هنا تصبح عندنا صورة بانورامية لعنصرية ساحل شرق المتوسط. في الشمال، المثقف العلماني السوري يبدي تفهماً للعلويين «شركاء الوطن» كضحية للنظام الأسدي السابق وفي الوقت نفسه يسجّل فيديو من ثلاث ساعات عن حق الشماتة في حزب الله (وكأن الشماتة لم تسهم في ثقافة الإبادة).
وعلى الساحل الأوسط في لبنان المثقف «الممانع» يقول «ساندناكم بغزة وذبحتونا بالساحل» (وكأن اليمين الأوروبي الذي يدافع عن العلويين لا يحلم بأن تبيد إسرائيل الضاحية).
وأمّا في الساحل الجنوبي المحتل، فإن خطة الريفييرا الترامبية هي تعبير عن أن النخب لا تطيق كياناً مقاوماً يخالف توقعاتهم الاستشراقية التي يسقطونها على غزة.
في السابق، دافع عن سواحلنا ابن اللاذقية الشهيد جول جمال في مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، اليوم لن تتفاجأ إن ظهر من أبناء المدينة على شاشة «سكاي نيوز» لتأكيد أن «ثقافة الطوفان» هي التي قتلتهم.
* كاتب فلسطيني
