الأميركي الحلو!

مِن دون تحقيق أو تدقيق أو تردّد، سارعت الخارجية الأميركية إلى تبرير وتأييد الضربة الجوية الإسرائيلية ضد أحد المنازل في الضاحية الجنوبية لبيروت فجر يوم الأول من نيسان الحالي! هي «دفاع مشروع عن النفس ضد الهجمات الصاروخية من لبنان». ليس هذا استثناء.
إنها لازمة أميركية تتكرّر كلما أقدمت تل أبيب على ارتكاب عدوان في لبنان أو على سواه! غير أن واشنطن ليست مجرّد دولة داعمة للعدو. هي تترأس «لجنة المراقبة» في اتفاق «وقف الأعمال العدائية» الذي أعلنه رئيسها شخصياً في 27 ت2 العام الماضي. وهي، قبل ذلك، كانت وسيطاً وحيداً في النزاع. والوسيط يكون، عادةً، محايداً بنسبة معقولة، للقيام بدوره في رصد التجاوزات أو الخروقات، ثم إصدار موقف، بشأنها، يتناسب مع طبيعة تكليف المراقب ومسؤولية المُخِل.
لكنّ لواشنطن رأياً آخر في مجمل الموضوع. طالما كانت «وساطة» واشنطن جزءاً من خطة العدوان الإسرائيلي وعمليته. وهو جزء يبرز دوره، أكثر، في المراحل الأخيرة من الصراع: لتكريس نجاحات العدو في حالة الانتصار، ولتدارك خسائره وتقليصها وتعويضها، في حالة الانكسار! أكثر من ذلك، أقدمت واشنطن، ومن موقعها كـ«وسيط» محوري، وبشكل غير معلن، على صياغة اتفاق رديف موازٍ مع تل أبيب، تحت عنوان «ضمانات» خاصة. سرعان ما تبين أن هذا الاتفاق هو الحقيقي وهو ما سيجري تطبيقه... وهذا ما حصل ويحصل، بالفعل، منذ أكثر من أربعة أشهر إلى اليوم.
معروف أن واشنطن كانت تتوكأ على المؤسسات الدولية في السابق، حين كانت قادرة على تسخيرها في خدمة سياساتها وتوجهاتها ومصالحها. لم يعد الأمر كذلك منذ تصدّى الروس والأميركيون، بالفيتو المضاد، لنهج واشنطن في تسخير مؤسسات الشرعية الدولية. لكن، مع ترامب، بات الأمر أسوأ. واشنطن تتقدّم تل أبيب وتسبقها بخطوات، أو حتى، بسنوات، أحياناً: في تبنّي أهدافها التوسعية بالعدوان والقوة والإرهاب. حدث ذلك في ولاية ترامب الأولى، عبر مشروع «صفقة القرن» الذي تضمّن، سلفاً، الاعتراف الأميركي بضم إسرائيل للقدس، وبـ«يهودية الدولة»، وبضم الجولان السوري المحتل... إلى تشجيع موجة التطبيع «الإبراهيمي» وفرضها في عدد من دول الخليج العربي.
الآن يستأنف الرئيس الأميركي مشروعه بصيغة «تليق» بحرب الإبادة التي يواصلها العدو في غزة بشكل لا سابق في التاريخ لوحشيته وفاشيته وهمجيته. باشر ترامب برنامجه بمشروع تهجير سكان القطاع إلى مصر، وضمناً سكان الضفة الغربية إلى الأردن. مارس ضغوطاً علنية وسرّية، على القاهرة وعمّان، لهذا الغرض.
ثم كان الوعيد، من قبل الرئيس ترامب شخصياً، بـ«جهنم» إذا لم تفرج المقاومة عن الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة، رغم أن اتفاقاً، بهذا الشأن، كان قيد التنفيذ بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، سارع نتنياهو إلى الانسحاب من الاتفاق، وإلى استئناف الحرب مُصَعّداً إلى أقصى الحدود، هذا فيما تولّى ترامب إعلان الحرب على صنعاء نيابة عن تل أبيب، وتهديد طهران وإنذارها وحشد الأساطيل الأميركية لاستهدافها إذا لم تمتثل للشروط الأميركية والإسرائيلية!
إلى ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي استباحة سوريا وتحويلها إلى بلد منزوع السلاح، إلا لمن يرتضي أن يكون سلاحه في خدمة المشروع الصهيوني، كما يفعل حكام دمشق الجدد! هذا هو النموذج المطلوب تعميمه لـ«ضمان أمن إسرائيل» والذي تتلاحق حلقات تنفيذه بدعم واشنطن ورعايتها دون أقنعة أو كفوف. ألا يكرّر نتنياهو، أخيراً، أنه يرتكب جرائمه في قطاع غزة، بتصعيد حرب الإبادة، تطبيقاً لخطة ترامب بتهجير سكانها «طوعاً»؟
في لبنان، تحوّلت واشنطن من حَكَم إلى حاكم (نفوذها في لبنان كان راجحاً دائماً). ومن الرقابة على «اتفاق وقف العمليات العدائية»، سارعت إلى تبرير مواصلتها من قبل العدو والحث على التوسع فيها: تدميراً واغتيالات وتوسعاً. كان رئيس «لجنة المراقبة» الأميركي، قد سارع إلى اختصار اللجنة بشخصه. قرّر، لاحقاً، حلَّها منفرداً لحساب تشكيل لجان المباشرة بالتطبيع التي تلح عليها نائبة المبعوث الأميركي في المنطقة السيدة أورتاغوس ومساعدها وزير خارجية «القوات اللبنانية»!
يتعرّض لبنان لحربين، الآن، كما هو الأمر بالنسبة إلى المعارك الأخرى وخصوصاً في غزّة: حرب الإسرائيلي بالنار والدمار والحصار والمجازر من الخارج وعلى الحدود، وحرب واشنطن، من الداخل، عبر الضغط الشديد والملح والوقح لتثمير الضغط العسكري الإسرائيلي والتهديد بالمزيد منه لفرض شروط تل أبيب وواشنطن. وهي شروط أقل ما يقال فيها إنها استسلام صرف!
الواقع أن في جعبة القيادة الإسرائيلية الآن، من الأطماع والمخططات والخرائط، ما يدل على أن قيادتها المأزومة والمتوترة والحاقدة، بسبب صمود المقاومة في غزة ولبنان وما كبّدته للعدو من خسائر هائلة، تمارس عملية هروب واسعة إلى الأمام. يشجّعها على ذلك خصوصاً، الدعم الأميركي الشامل، والانقلاب في سوريا، وصمت دولي وعربي متواصل رغم الإبادة والتوحُش! هذه المخططات تتضمن احتلال جزء من سوريا والسيطرة على الجزء الباقي.
تتضمّن، أيضاً، احتلال جزء من لبنان حتى «الأولي» وتهجير أكثرية سكانه، والسيطرة بواسطة واشنطن والعملاء المحليين، على الجزء الباقي. تهجير غزة والضفة الغربية. العبث بالوضع الداخلي للأنظمة الموالية والمتعاونة في مصر والأردن. استهداف العراق ووحدته وعلاقاته مع إيران. استهداف إيران نفسها، ومحاولة إطاحة سلطتها وعناصر قوتها وإقامة نظام جديد فيها تابع لواشنطن...
واشنطن هي عرابة هذه الخطة وشريكة كاملة في السعي إلى فرضها وإنجاحها. أمّا بالنسبة إلى بعض السلطة وبعض اللبنانيين، وخصوصاً إلى دعاة السيادة (أي سيادة ولمن!) فيه، فالأميركي هو الحل: في كل الظروف ومهما كانت الشروط. هو «الأميركي الحلو»... وليس «البشع» (كسلطة لا كمواطنين).
وهي تسمية شاعت ولاحقت من بدا مسؤولاً عن كل موبقات العالم وكل أشكال الظلم فيه: منذ إبادة السكان الأصليين في أميركا نفسها، إلى استرقاق ملايين الإفريقيين والاعتداء على حقوقهم وإنسانيتهم، إلى استخدام السلاح النووي، لأول مرة في التاريخ، ضد مدينتَي هيروشيما وناكازاكي (بعد استسلام اليابان)، إلى إحراق الشعب الفيتنامي بالنابالم، إلى احتلال العراق وأفغانستان، إلى حصار بلدان وشعوب تمثّل أكثر من ثلثي العالم، إلى تعهّد الكيان الصهيوني الغاصب بكل أنواع الرعاية لممارسة إرهابه ضد شعب فلسطين وشعوب المنطقة، إلى ترامب وفرض ضرائب غير مسبوقة على الحليف والخصم، ومحاولة الاستيلاء على دول ومناطق وممرات، وتغذية موجة تمييز عنصري ضد شعوب وأمم بأكملها...
دائماً ما تساءل الأميركيون: لماذا يكرهوننا؟ السؤال الأصح: لماذا لا يكرهوننا بما يكفي!
* كاتب وسياسي لبناني
