«المناصفة» في مسؤولية التمديد للأزمة!

تشي حدّة الانقسامات والصراعات، بشأن «سلاح المقاومة»، أن البلاد قد تكون على حافة حرب أهلية جديدة في الذكرى الخمسين للحرب السابقة التي امتدت حوالى عقد ونصف عقد من الزمن بين عامي 1975 و1990. يُعزِّز من هذا الاحتمال، أن «المجتمع الدولي»، أي الغربي، أي الأميركي الإسرائيلي، يواصل دعم حرب الإبادة في غزة. وهو يواصل، منذ 5 أشهر، حرباً من الخارج، على لبنان، عبر العدو الصهيوني. إن نقل المعركة إلى الداخل إذا فشل العدوان الإسرائيلي ومعه الضغوط الأميركية الهائلة، هو ما يشكل الخطر الأكبر لجهة محاولة إغراق لبنان بفتنة داخلية قد تكون أسوأ من الحرب الأهلية التي اندلعت قبل 50 عاماً وما يزال قسم كبير من أسبابها الداخلية حاضراً ومؤثراً حتى اليوم!
رغم ذلك، لا تُعدم سلطة «الكوتا الطائفية» المنقسمة إلى درجة الاقتراب من حافة الاحتراب، فرصة أن تواصل «هوايتها» التقليدية في التضامن السريع والفاعل، عند الضرورة، حفاظاً على نظامها «الفريد» و«العجيب» في خلطة الشراكة والتعايش والتبعية والتقاتل!
المحطة الجديدة من «التعايش» والصراع في كنف النظام والحفاظ عليه، تأتي أيضاً، في مرحلة «العهد الجديد» (رئيساً وحكومة) في امتداد تحوُّل مؤثر في ميزان القوى بسبب العدوان الإسرائيلي الأميركي، في لبنان والمنطقة، بدءاً من الثامن من أكتوبر 2023 وحتى هذه اللحظة.
حكومة الرئيس نواف سلام، خصوصاً، رفعت شعار «الإصلاح والإنقاذ» بالتركيز على تطبيق الدستور وإصلاحاته كحلقة محورية فيه. لم يُنجز أي أمر جوهري حتى الآن، باستثناء إزالة بعض الصور والشعارات على طريق المطار وزيارات عدة معظمها استعراضي! في الأثناء، الانتخابات البلدية تفاجأ الحكومة بمشكلة التوقيت أولاً، و«المناصفة» ثانياً! أما لجهة التوقيت (وهو استحقاق مقرر موعده سابقاً)، فالمشكلة هي في أن رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية أيضاً، لا يملكان، بسبب الافتقار إلى القاعدة السياسية الشعبية، القدرة على الإمساك بزمام تلك العملية وتوظيفها في نطاق خطة خاصة بهما أو بالقوى الخارجية التي دعمت، بل حسمت بقرار توليهما منصبيهما الرئاسيين.
بذلك يجري أول اختبار لغير مصلحة الرئيسين. بل الواقع أن أطراف المنظومة القديمة أو الدولة «العميقة» هي من يمسك بزمام الحدث، فيما يراقب قطبا السلطة الجديدة الأحداث دون أن يستطيعا شيئاً! تنطوي الانتخابات التي تتناول العاصمة بشكل أساسي ويُتذرع بها، على محاولة توسيع التحاصص الطائفي الذي يقتصر، دستورياً (وبشكل مؤقت!)، على المواقع السياسية الأساسية وعلى الفئة الأولى الإدارية، إلى البلديات، وبشكل خاص بلدية العاصمة!
هذا النوع من الملفات ينتسب إلى المرحلة السابقة، حيث كان تكريس وتوسيع تطييف الحياة السياسية ومذهبتها هما السائدان خلافاً لإصلاحات «الطائف» والدستور. إن إثارة المسألة في هذا التوقيت، مقترنة بتصعيد النبرة الطائفية، يبعث برسالة سلبية ومخيبة بشأن مسألة وعد الحكومة بتطبيق البند الإصلاحي الأساسي المتمثل في إقرار مسار جدي لإلغاء الطائفية السياسية.
هذا البند هو اختبار الإصلاح الوحيد والأساسي في هذه المرحلة. هو ليس كذلك بشكل مطلق، بل في لبنان فقط، بسبب استشراء التحاصص الذي كان السبب الأكبر في كارثة انهيار الدولة وإفلاسها والسرقة شبه الشاملة والإجرامية للمواطنين! موضوعياً، هو في حال تحقيقه، إنجاز متواضع. ذلك أن تجاوز الطائفية السياسية في السلطات الثلاث، مشروط بإنجاز مجلس طائفي صافٍ جديد هو «مجلس الشيوخ» حيث هو المكان البديل، بعد تحرير الإدارة من القيد الطائفي، للتعبير عن الهواجس الطائفية، وللشراكة في «الشؤون المصيرية».
ينبغي تكرار أن كل الصراعات والحروب والخلافات لم تمنع يوماً، وبإجماع دائم، التمسك بجوهر نظام الكوتا الطائفية والعمل على تكريسه وتوطيده وتوسيعه، بشكل لم يشذّ عنه أحد من منظومة المحاصصة في أي مرحلة من المراحل (باستثناء تجربة الشهيد كمال جنبلاط في «الحركة الوطنية»). لقد انحصر الصراع، في هذا الصدد، بالتوازنات، لا بالجوهر. ورغم أن للقوى الداخلية مرجعياتها الخارجية من أجل الاستقواء بها في الحفاظ على التوازنات الداخلية ومحاولة تثبيتها أو تعديلها، إلا أن الخارج والداخل قد تضامنا أيضاً في مسألة الدفاع عن النظام الذي اختارته البورجوازية الكبيرة المحلية، بمتابعة ورعاية خارجية متواصلة، أداة لممارسة سلطتها وتبعيتها. ذلك النظام، كان بالتأكيد، من حيث البنية والوظيفة، جزءاً من النظام الرأسمالي العالمي الذي يشكل النظام الأميركي قوته القائدة والمهيمنة.
يبقى أن نشير إلى مسألة في غاية الأهمية. وهي أن راية «الإصلاح» التي ترفع، في هذه المرحلة خصوصاً، هي «كلمة حق يراد بها باطل». تحت هذا العنوان يندرج «نزع السلاح» الموجَّه ضد العدو الإسرائيلي، وذلك في نطاق خطة أميركية صهيونية، للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية على وجه الخصوص ومنها لبنان.
وتحت هذا العنوان، أيضاً، تندرج «إصلاحات» البنك الدولي، وهي، في كل مكان، عبارة عن شروط قاسية، تفضي إلى تقليص دور الدولة الرعائي وتصفية القطاع العام وخصخصة القطاعات الرئيسية المنتجة و«السيادية»، والتحكم في مجمل تطور الاقتصاد وإخضاعه لمنظومة التقسيم الدولي التي تديرها واشنطن عبر مؤسسات سياسية ومالية واقتصادية وتجارية وأمنية وعسكرية تسمى «المجتمع الدولي»! عجز أو صمت، أو حتى تواطؤ، أرباب السلطة الجديدة، إزاء هذا الملف، تعزز الشكوك وتزيد في قتامة المشهد العام!
مواجهة ما يتعرض له لبنان والمنطقة، تفرض السعي من أجل بلورة رؤية متكاملة للصراع وللمواجهة. وهي رؤية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وإقليمية وثقافية. أمّا الوسائل، فستكون، بالضرورة، ذات صلة بأساليب العدو ووسائله أيضاً. الولايات المتحدة، خصوصاً، في مرحلة ترامب الراهنة، تضع، مرة جديدة، وبأسلوب أكثر خطورة، قوة واشنطن، في خدمة أن «تصبح أميركا عظيمة من جديد». تحت هذا العنوان تحصل الحروب، ويتوسع الحصار، وتطلق التهديدات باستهداف مواقع إستراتيجية وضم بلدان بعضها أكبر من الولايات المتحدة الأميركية نفسها! هذا إلى الحصار والمنع والقمع والمقاطعة والعنصرية... ضد شعوب، وحتى قارات أو مناطق واسعة منها!
* كاتب وسياسي لبناني
