ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الأشكال المتبدّلة للنزاعات السياسية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد سيد رصاص
محمد سيد رصاص
السبت 26 نيسان 2025
الخط

في يوم 1 أيار 1959 أنزل الحزب الشيوعي العراقي لشوارع بغداد ما يُراوح ما بين مئات الآلاف إلى مليون شخص، في استعراض لقوته، ليس فقط أمام خصومه العروبيين من بعثيين وناصريين، وإنما أيضاً أمام حليفه عبدالكريم قاسم. ولكنه في السبعينيات كان في معقله حي الثورة من ضواحي بغداد (اسمه الآن ضاحية الصدر) قد أصبح أقل قوة من حزب الدعوة، كما إنه أصبح في كردستان العراق أقل قوة من الحزب الديموقراطي الكردستاني بالمدة نفسها، فيما كان الشيوعيون هم الأقوى في الوسطين الشيعي والكردي حتى أوائل السبعينيات.

على الأرجح، إن السبب هو الوجه السني، والعروبي، عند الحاكمين البعثيين الذين أتوا إلى السلطة عام 1968، والذين أقاموا حكماً سيطر عبره أهل تكريت وسامراء والموصل والأنبار على مفاصل الجيش والاستخبارات والإدارة، ومارسوا تمييزاً ضد الشيعة، ولم يتم تحقيق اتفاقهم مع الملا مصطفى البرزاني في يوم 11 آذار 1970 لحل المسألة الكردية.

وفي سوريا، يمكن أن نجد ظاهرة مماثلة، عندما فاز حزب البعث بمقاعد مدينة حماة وريفها بانتخابات برلمان 1954، ولكن بعد أن تسلّم السلطة كانت حماة أول مدينة انتفضت ضده عام 1964، ثم كانت المدينة الرئيسية التي تحركت ضده في المظاهرات ضد دستور 1973، وكانت القاعدة الاجتماعية الرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين في أحداث 1979-1982 في مجابهتهم مع حكم حافظ الأسد، ولم تتوقف تلك الأحداث سوى بعد مجزرة حماة في شباط 1982. وحتى في شهر أيار 1957، عندما أجريت انتخابات تكميلية لمقعد نيابي في دمشق، فإن محامياً شاباً، دعمه البعثيون والشيوعيون، هو رياض المالكي، قد هزم المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور مصطفى السباعي، الذي نقل نفوسه من حمص إلى دمشق من أجل الترشح لتلك الانتخابات، وقد أصيب الدكتور السباعي على الأثر النفسي لهزيمته الانتخابية بمرض الشلل.

لا يمكن تفسير قوة الإسلاميين العراقيين والسوريين أمام بعثيي بغداد ودمشق إلا عبر كونها رد فعل على طائفية الحكمَين في بغداد ما بعد 17 تموز 1968 ودمشق ما بعد 8 آذار 1963، والطائفية لا تعني هنا أيديولوجية الحاكمين بل إمساك طائفة، كانت هي السنة العرب في العراق وهم أقلية والعلويون في سوريا وهم أقلية أيضاً، بمفاصل «السلطة التي هي من يسيطر على الجيش» وفقاً لتعبير رئيس اللجنة العسكرية البعثية السورية محمد عمران، ثم السلطة هي التي تحدد السياسة والإدارة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. وعملياً، فإن المشكلة الطائفية لم تبرز في العراق وسوريا إلا في مدة حكم البعثيين، وحتى يمكن القول إن المشكلة الكردية لم تبرز وتتفاقم في البلدين سوى مع حكم البعثيين العروبيين، فيما لم تكن بهذه القوة في عراق ما قبل 1968 ولا في سوريا ما قبل 1963.

هنا، يمكن القول إن السياسة هي شكل، يمكن أن يكون شكلاً طبقياً (لينين، ماو تسي تونغ) أو قومياً (مصطفى كمال أتاتورك) أو وطنياً جامعاً متجاوزاً للأديان (غاندي ونهرو)، أو وطنياً متجاوزاً للقوميات (نظرية الأمّة الديموقراطية عند عبدالله أوجلان بعد مدة سجنه منذ عام 1999، فيما كان قبل السجن ماركسياً- قومياً) أو دينياً (محمد علي جناح الذي طالب بدولة منفصلة للمسلمين في الهند)، أو طائفياً (حزب الدعوة في العراق، جماعة الإخوان المسلمين في سوريا) أو جهوياً ــ عرقياً ــ قبلياً (تمرّد جنوب السودان 1955-1972، تمرّد إقليم دارفور منذ عام 2003 عندما قادته منظمات من أفارقة قبيلتي المساليت والفور)، أو جهوياً (حرب قوات الدعم السريع ضد الجيش السوداني، وهو بغالبية ضباطه من الشمال العربي الممتد بين الخرطوم والحدود المصرية، منذ 2023 وهي تستند إلى عرب دارفور وهم من الرعاة فيما أفارقة دارفور من المزارعين).

ولكن هذه الأشكال، كلها، تعبّر عن محتوى واحد اقتصادي ــ اجتماعي ــ ثقافي، يكون الشكل النزاعي السياسي هو قمّة جبل جليدها. وهي لا تعبّر عن رجوع إلى الوراء وإنما عن مشكلات لم تحل أو عن مظالم أو عن حالة من اللااندماج المجتمعي الناتج من تمييز قومي أو عرقي أو جهوي أو ديني أو طائفي أو غيره، وهو ما يدفع من تقع عليه المظالم أو التمييزات إلى اختيار شكل للنزاع السياسي غالباً ما يكون من شكل «ما يستخدمه الطرف الآخر» أو ما يتصوّر أنه يستخدمه، وخاصة في حالة التمييز الطائفي عندما يمارسه عروبي يقول بتجاوز تحديدات القطر والدين والطائفة.

وهو بالتأكيد ما شعر به مؤسس حزب الدعوة السيد محمد باقر الصدر أمام حكم البعثيين العراقيين قبل أن يقوموا بإعدامه عام 1980، أو ما شعر به الشيخ مروان حديد، الذي كان أخوه بعثياً وسفيراً لدى سلطة حافظ الأسد، عندما أسس تنظيم «الطليعة المقاتلة» عام 1975، قبل أن يعتقل ويموت في إضراب عن الطعام بالسجن.

يمكن أن يساعد المثال الفرنسي على التوضيح هنا: بين عامَي 1562 و1598 نشبت حرب أهلية عنيفة بين الكاثوليك والبروتستانت (الهوغنوت)، والأخيرون كانوا عماد الرأسمالية الفرنسية الناشئة في ظل حكم مركزي للملك، المتحالف مع الأرستقراطية الإقطاعية ومع الكنيسة التابعة لروما. جرى إصدار ملكي لمرسوم نانت عام 1598 الذي قال بالتسامح والمساواة. في عام 1685 قام الملك لويس الرابع عشر بنقض مرسوم نانت وأحرق كنائس الهوغنوت وصادر أملاكهم، وهو ما دفعهم للهجرة إلى جنيف وهولندا وجنوبي إنكلترا.

في فرنسا الآن، الكاثوليك هم 90 في المئة من السكان والبروتستانت واحد في المئة، ولكن عندما ترشح ليونيل جوسبان، وهو بروتستانتي، ضد جاك شيراك في انتخابات الرئاسة في عامَي 1995و2002 لم يسأل أحد عن دينه/طائفته بل كان الموضوع هو مرشح يساري اشتراكي ضد مرشح يميني ديغولي. وهذا كان يعني بأن فرنسا قد أصبحت فيها التحديدات الأيديولوجية/ السياسية، المبنية على التحديد الطبقي، هي السائدة، فيما كانت في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر مبنية على التحديد الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت ولكن أيضاً بمحتوى اقتصادي ــ اجتماعي ــ ثقافي.

وأيضاً، يمكن أن يكون موضحاً أكثر ما يقدِّمه فريدريك إنغلز في كتابه «حرب الفلاحين في ألمانيا» حيث يقول الآتي: «بل أن ما يسمى بالحروب الدينية في القرن السادس عشر كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية، فقد كانت هذه الحروب حروباً طبقية تماماً تمثل الصدامات الداخلية التي وقعت بعد ذلك في إنكلترا وفرنسا. ورغم أن الصراعات الطبقية كانت عندئذ مغلّفة بشعارات دينية، ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف ستار ديني، فلم يبدّل هذا شيئاً من الأمر ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام» (ص 46، دار دمشق، تعريب محمد أبو خضور، الطبعة من غير تاريخ)؛ إذ كان الشكل الديني لحرب الفلاحين في ألمانيا عام 1525 بين فلاحين بروتستانت في الشمال يحالفهم أمراء وبين إقطاعيين كاثوليك في الجنوب الألماني يساندهم ملك النمسا الذي تدعمه كنيسة روما.

وأيضاً ثورة 1642-1649 في إنكلترا التي قام بها البرلمان، المدعوم من تجار لندن وهم من طائفة البيوريتان، ضد سلطة الملك المطلقة وهو رأس الكنيسة الأنجليكانية وكان مدعوماً من الأرستقراطية الإقطاعية، حتى انتهت بقطع رأس الملك بعد حرب أهلية انقسمت فيها إنكلترا بين مركزي لندن وأكسفورد.

هنا، يجب توضيح أن بروز هذه الأشكال للنزاع السياسي لا يعبّر عن عدم وجود طبقات اجتماعية بل عن نزوعها إلى أشكال غير طبقية، مثل القومية والدينية والطائفية والجهوية (وغيرها)، وتغليبها في لحظة سياسية معينة على الشكل الطبقي، ولكن، مثل الصراع الطبقي، هي كأشكال تعبر عن محتويات اقتصادية ــ اجتماعية ــ ثقافية، التي تكون كمحتويات هي الوقود المحرك لها، وهي تعبّر عن مشكلات لم تحل بعد، وليس عن رجوع إلى الوراء، وأيضاً تعبّر عن فشل حلول قومية ووطنية وحلول ما فوق قومية/ وطنية (الحل السوفياتي واليوغسلافي).

في أوروبا، عبر الأمثلة الفرنسية والإنكليزية والألمانية، نجح حل «المواطن»، الذي قدمته الثورتان في إنكلترا 1642-1649و1688-1689 ثم ثورة 1789 الفرنسية، كأساس اجتماعي لمساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ولم ينجح مفهوم «المكونات» الذي نراه الآن في لبنان والعراق، ومفهوم عبدالله أوجلان عن «الأمّة الديموقراطية» هو أقرب إلى الحل الإنكليزي ــ الفرنسي من حيث المساواة والحرية في المجال السياسي لجميع أفراد دولة «الأمّة الديموقراطية» التي تُبنى على مواطن فرد من الناحية السياسية وليس على «المكوّن السياسي» من الناحية الدستورية ــ القانونية ــ التشريعية مع مساواة القوميات والأديان والطوائف والإثنيات في الحريات الثقافية ــ اللغوية.
* كاتب سوري

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك