«القتال الجوي التعاوني»: الخـوارزميات تقود السماء!


في عالم تتغيّر فيه موازين القوة بصمت، لم تعد السماء ساحة صراع تقليدية بين الطائرات والصواريخ فحسب، بل أصبحت مجالاً تتصارع فيه بشكل متزايد العقول الاصطناعية. لم تعد الهيمنة الجوية تُقاس فقط بعدد الأسراب أو بسرعات المقاتلات، بل بقدرة المنصات المختلفة على التعاون، والتحليل اللحظي للبيانات المعقدة، واتخاذ القرار شبه المستقل في بيئة قتال لا تحتمل التأخير أو الخطأ البشري.
هكذا وُلد مفهوم «القتال الجوي التعاوني» (Collaborative Combat Air Teaming) كأحدث انقلاب مفاهيمي في فنون الحرب الجوية، حيث لا تقود السماء طائرة واحدة منعزلة، بل شبكة ديناميكية من الطائرات، المأهولة وغير المأهولة، المتصلة بخوارزميات ذكية قادرة على التنسيق في ما بينها، غالباً دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر ومستمر.
الولايات المتحدة كانت السباقة في استثمار موارد ضخمة لتحويل هذا المفهوم إلى واقع ملموس عبر مشروع «الطائرات القتالية التعاونية» (CCA). في هذا المشروع، الطيار البشري داخل مقاتلات الجيل الخامس مثل F-35 Lightning II أو F-22 Raptor لم يعد مقاتلاً منفرداً، بل أصبح أشبه بقائد شبكة هجومية أو «لاعب خط وسط»، يدير من قمرة قيادته سرباً مكوّناً نموذجياً من أربع إلى ست طائرات دون طيار تُعرف بالمفهوم العام بـ«الأتباع المخلصين» (Loyal Wingmen)، أو بشكل أدق كـ«منصات تعاونية غير مأهولة».
تؤدي كل طائرة دوراً تخصصياً يمكن أن يشمل: الهجوم الإلكتروني، التشويش على رادارات العدو، الاستطلاع والمراقبة المتقدّمة، حمل أسلحة إضافية، أو العمل كطُعم دفاعي. المثير أن هذه الطائرات ليست مجرد أدوات طيّعة يتم التحكّم فيها من بعد، بل هي منصات ذات استقلالية تكتيكية متزايدة، قادرة على إتمام مهماتها الموكلة إليها حتى في حال انقطاع الاتصال المؤقت مع الطيار أو مركز القيادة، وذلك بفضل بنية «اتخاذ القرار الموزع» داخل السرب (Distributed Decision-Making).
أي إن «الذكاء» لا يُركّز في نقطة فشل واحدة، بل ينتشر على مستوى المنظومة بأكملها، ما يجعلها أكثر مرونة وقدرة على الصمود وأقل عرضة للتشويش أو الاستهداف المعادي. هذه البنية تمنح الولايات المتحدة قدرة لا تقتصر على زيادة حجم القوة النارية بتكلفة أقل (عبر منصات قابلة للاستهلاك النسبي «attritable»)، بل تهدف أيضاً إلى إرباك دفاعات الخصم وتعقيد عملية اتخاذ القرار لديه بشكل كبير.
على الجهة المقابلة، تتحرّك الصين بخطوات متسارعة وبهدوء محسوب؛ قد لا تُعلن عن كل التفاصيل، ولكنها تستثمر بكثافة وتبني قدرات متقدمة. مشاريع مثل الطائرة الشبحية من دون طيار GJ-11 Sharp Sword، المصممة لمهمات الاختراق العميق والهجوم خلف خطوط الدفاع، ونماذج أخرى مثل FH-97A (التي تشبه مفهوم Loyal Wingman الأميركي)، بالإضافة إلى تطوير مفاهيم الأسراب الذكية التي تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي السربي (Swarm AI)، ترسم ملامح منظومة قتالية جوية متكاملة ومتعددة الطبقات.
المقاتلة الشبحية المتقدمة J-20 Mighty Dragon لا تعمل فقط كرأس حربة، بل كعقدة قيادة وتحكم محورية تتكامل حولها هذه المنصات غير المأهولة، ضمن شبكة قيادة وسيطرة يُعتقد أنها تعتمد بشكل متزايد على الأقمار الصناعية للاتصالات والملاحة، وتقنيات الاستشعار السلبي المتقدمة، لتقليل البصمة الإلكترونية وزيادة القدرة على الإفلات من أنظمة التتبع الغربية. الأهم من ذلك، أن الصين تُراكم مجموعات بيانات ضخمة عبر التدريبات والمحاكاة المكثفة لبيئة الطيران القتالي، ما يمنحها ميزة حيوية في تدريب خوارزميات تكتيكية قادرة على التعلم والتكيف مع سيناريوهات المواجهة المستقبلية المعقدة.
ما يجري اليوم في الفضاء الجوي ليس مجرد تحديث روتيني للتقنيات، بل هو انقلاب جذري في المفاهيم والعقائد القتالية
أمّا روسيا، فتتبع مساراً يبدو ظاهرياً أكثر تقليدية في بعض جوانبه، ولكنه لا يخلو من طموحات تكنولوجية كبيرة، وإن واجهت تحدّيات في التنفيذ. مشروع المقاتلة الشبحية Su-57 Felon يهدف للتكامل التشغيلي مع الطائرة الهجومية الثقيلة من دون طيار S-70 Okhotnik-B («الصياد-ب»)، التي تتمتّع بتصميم شبحي مميّز وحمولة تسليحية كبيرة نسبياً. العلاقة بين الطائرتين تقوم على مفهوم توزيع الأدوار التكتيكية: حيث يمكن للـ Su-57 أن تقود من مسافة آمنة وتوفر بيانات الاستهداف والتوجيه، فيما تخترق الـ Okhotnik الدفاعات المعادية وتنفذ الهجوم، ما يسمح بتنفيذ ضربات متزامنة ومنسقة من اتجاهات متعددة.
غير أن هذا النموذج، ورغم جاذبيته النظرية، يواجه عقبات كبيرة تتعلق بالقدرة على الإنتاج الكمي لكلا المنصتين، وتطوير وتكامل أنظمة الذكاء الاصطناعي اللازمة للتشغيل الفعال، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة الناتجة من العقوبات الغربية وتأثيرات حالة الاستنزاف المستمرة في النزاعات التي تشارك فيها.
في أوروبا، تتجه القوى الجوية الرئيسية، مثل بريطانيا، فرنسا، وألمانيا (بالإضافة إلى شركاء آخرين)، نحو تطوير الجيل السادس من المنصات الجوية القتالية. يتم ذلك عبر مشاريع طموحة مثل برنامج «العاصفة» (Tempest) الذي تقوده بريطانيا (بمشاركة إيطاليا، اليابان، والسويد بدرجات متفاوتة) وتشرف عليه شركات كبرى مثل BAE Systems وRolls-Royce وLeonardo وMBDA. يهدف Tempest إلى بناء نظام قتالي جوي متكامل (ليس مجرد طائرة) يتمحور حول مقاتلة أساسية قادرة على قيادة أسراب من الطائرات من دون طيار المساعدة (adjuncts) أو «المؤثرات» (effectors)، مدعومة بتقنيات ثورية كأسلحة الطاقة الموجهة، وقدرات شبحية متقدمة، ومحرك ذي دورة متغيرة.
الطيار البشري في هذه المنظومة سيكون اختيارياً في بعض المهمات، ما يفتح الباب لعمليات غير مأهولة بالكامل. أمّا برنامج «نظام القتال الجوي المستقبلي» (FCAS/SCAF) الثلاثي، الذي يجمع فرنسا وألمانيا وإسبانيا، فيعمل على تطوير منظومة مماثلة تتكون من «مقاتلة الجيل التالي» (NGF - Next Generation Fighter) كنواة، تقود مجموعة من «الناقلات البعيدة» (Remote Carriers) – وهي طائرات من دون طيار بأحجام وأدوار مختلفة مصممة لتنفيذ المهمات بشكل مستقل أو ضمن تنسيق مشترك مع المقاتلة الأم أو مع بعضها البعض. هذه المشاريع الأوروبية لا تمثّل فقط سباقاً لمواكبة التطور التكنولوجي العالمي، بل هي أيضاً محاولة إستراتيجية لبناء «سيادة تكنولوجية وصناعية» أوروبية في مجال الدفاع الجوي، وتعزيز قدرة القارة على العمل بشكل مستقل أو كشريك قوي ضمن الأطر القائمة مثل «الناتو».
في الجنوب العالمي، ظهرت مبادرات جريئة تهدف إلى كسر الاحتكار التقليدي للتكنولوجيا المتقدمة وتطوير حلول محلية. الهند، على سبيل المثال، دخلت السباق عبر مشروع CATS (نظام القتال الجوي التعاوني - Combat Air Teaming System) الذي تطوره شركة هال (HAL). يهدف هذا النظام إلى تكامل المقاتلة المحلية الخفيفة Tejas (ونسخها المستقبلية) مع طائرات من دون طيار هجومية من نوع CATS Warrior وطائرات أخرى مساندة. الهدف الإستراتيجي هو خلق نوع من التوازن الكمي والنوعي في مواجهة التحديات الإقليمية، مع تقليل المخاطر على الطيارين وزيادة فعالية القوة الجوية بتكلفة معقولة.
أمّا أستراليا، فقد وضعت بصمتها الخاصة عبر مشروع MQ-28 Ghost Bat (المعروف سابقاً بمشروع Loyal Wingman أو Airpower Teaming System)، الذي يُعتبر أول درون قتالي من هذا النوع يُطوّر خارج الولايات المتحدة بالتعاون الوثيق مع شركة Boeing. هذا الدرون يتمتع بمرونة عالية في أداء المهمات، بدءاً من الاستطلاع والمراقبة وصولاً إلى الحرب الإلكترونية والعمل كمنصة أسلحة إضافية، ويُتوقّع أن يندمج بشكل متزايد ضمن الأسراب العاملة بطائرات F-35A الأسترالية وطائرات أخرى.
ما يجري اليوم في الفضاء الجوي ليس مجرد تحديث روتيني للتقنيات، بل هو انقلاب جذري في المفاهيم والعقائد القتالية. إذ إن من يمتلك شبكة القيادة والتحكم والاتصالات والاستخبارات (C4I) الأكثر تطوراً ومرونة، والقائمة على الذكاء الاصطناعي، لا يمتلك فقط الأسبقية في لحظة الاشتباك، بل قد يملك القدرة على الردع ومنع نشوب الاشتباك أصلاً عبر التفوق المعلوماتي والسرعة في اتخاذ القرار. الدول التي تنجح في بناء وتوظيف هذه الشبكات لن تنتصر بالضرورة لأنها تمتلك أكبر عدد من الطائرات، بل لأنها «ترى» أبعد، و«تفهم» أسرع، و«تقرر» وتتصرف بدقة قبل أن يتاح للخصم حتى فرصة التفكير برد فعل فعّال.
التحالفات العسكرية التقليدية ستُعاد صياغتها حتماً على أساس القدرة على تشارك البيانات والمعلومات بشكل آمن وفوري، وليس فقط على أساس تشارك الأسلحة والمعدات. قواعد الاشتباك ستصبح أكثر تعقيداً وديناميكية، وربما تتلاشى الخطوط الفاصلة التقليدية في ضباب المعركة الرقمية. وفي ساحات قتال الغد، لن يكون النصر حكراً على الدول الكبرى بالمعنى التقليدي، بل ستميل الكفة لمن يملك المنصات الذكية الأكثر تكاملاً وقدرة على التكيّف والتعلّم.
العالم بأسره، وليس فقط الجيوش، سيتأثّر بهذا التحوّل العميق: من إعادة صياغة العقائد العسكرية والإستراتيجيات الدفاعية، إلى تحديد أولويات الاستثمارات في البحث والتطوير، مروراً بتغيّر طبيعة العلاقات الدولية واحتمالية صعود فواعل جديدة (دول أصغر أو حتى جهات غير حكومية في المستقبل البعيد) تمتلك تقنيات شبكية مؤثرة دون أن تمتلك الجيوش التقليدية الضخمة. فالمعركة القادمة في السماء، على الأرجح لن يقودها الطيار بمفرده… بل ستقودها الخوارزمية كشريك أساسي، إن لم تكن القائد الفعلي.
* باحث في تقنيات الطيران
