عن أحوال «الطائفة» وأحوال «الزمرة» في بلادنا

«ما بدّك تفكّ عن أبطال الحراك [التغييري] اللبناني؟ نسيناهم عم بتذكرنا فيهم… دخيلك انساهم مش وقتهم، غزة نقطة تحوّل كبيرة، والناس رجعت لصوابها» ـــــــ مذكّرة من محرّر «الأخبار» إلى صدقي عاصور
ذهبت إلى «تويتر فداء» بعدما قرأت مقاله عن «فايسبوك حازم» (مناسبة ذلك كانت قراءتي مقال جوزف سماحة «المشترك بين حداثة حازم وأصالة وليد»). فداء عيتاني السابق، الذي هجا حازم صاغية، هو نفسه فداء عيتاني اليوم، شخصية تجعل حازم صاغية يبدو وكأنه «معتدل» في عدائه للممانعة.
ما حدث مع فداء (الصحافي الشجاع الحقّاني) أخافني: هل سيأتي يوم أعلن مقاطعتي لـ«الأخبار» وأذهب للكتابة لدى الطرف الآخر؟ تلك المخاوف تلاشت بعدما تذكّرت علاء الأسواني (ليس علاء السياسة بل علاء القصة والرواية) والذي اشتغل بطب الأسنان صباحاً وبالكتابة مساءً.
«الاسم المستعار» ليس لديه «كارير» أو «طموح»، لن تتصل به «الحدث» من أجل مقابلة خاطفة. جمهور هذا الاسم المستعار هو المحرّر فقط، وعلاقتهما بعيدة عن «مجتمع الثقافة» بالعواصم العربية (بل أقرب إلى «فزعة» في موسم قطف الزيتون). صاحب الاسم المستعار، طبيب أسنان أو محامٍ أو مدرس جغرافيا، بدأ الكتابة بالمجان وهو يعلم -إن وقعت الواقعة- أنه سيكتب لدى جريدته دون مقابل مرة أخرى.
لا أقول إن «المال والمنصب» هما اللذان غيّرا فداء. هنالك شيء آخر، ربما هي القناعة بأن «الحزب وجمهوره» باتا «زمرة» أي «Cult» لا تستمع للناس ومنغلقة على حالها، تستحق الصراخ عليها من على المنابر الخليجية.
الطائفية السياسية والقبلية السياسية
درج مصطلح «Cult» كوصف لـ«الممانعين» خلال الحرب. هي كلمة شائكة لأنها تعني بالإنكليزية «طائفة»، إلا أنها تختلف عن مفهوم الطائفة لدينا كموروث ثقافي عميق لا يُبنى بالأساس على سياسات هوية أبناء الطائفة مع الخارج، بل يُبنى على نظام متكامل للعبادات والمعاملات التي تصقل شخصية الفرد. البعد الديني للطائفة هو الأساس، أمّا البعد «الطائفي» فهو ثانوي. لذا نفضّل استخدام كلمة «زمرة» لترجمة كلمة «Cult».
الزمرة، بعكس الطائفة، لا تعتمد بالأساس على العلاقة مع الكون وخالقه، بل تعتمد على العلاقة مع «الآخر» من خارجها. وإذا كانت الطائفة تكفّر علم الاجتماع بناءً على أساس ثيولوجي، فإن الزمرة، وإن ادّعت العلمانية، تملك نظرة مشوّهة للعالم على نحو يجعل عقلها الجمعي على تناقض مع علم الاجتماع. مثال ذلك زمرة الـ«Manosphere» على الإنترنت، وهو مجتمع ذكوري في الغرب ذو نظرية مؤامرة بأن النظام الدولي هو نظام نسوي جماعي «شيوعي» يريد إنهاء «الحرية الليبرتارية» للذكر «المتنوّر المستقل».
هذا المثال يوضح كيف تقوم الظروف الموضوعية المعاصرة بتفريخ «الزمرات»، والتي تحتكر كلها «الحقيقة المطلقة عن العالم» (على الهامش، أول مرة دخلت فيها موقع مجلة «درج» وباغتني عنوان مقال «نعم، أنا ناشز!»، أدركت أنني أمام Middle Class Cult بامتياز).
يتحدّث الأكاديميان الأميركيان هيروم لويس وفيرلان لويس عن ظاهرة القبلية السياسية في «النظرية الاجتماعية للسياسة»، وكيف تؤدّي تلك الظاهرة إلى تبنّي الفرد أيدولوجيا زمرة أو أخرى وكأنه ينحاز إلى فريق كرة قدم وكل ما يتطلبه ذلك من تخلٍّ عن الواقع. أمّا الكاتب اليساري الأميركي فريدي دي بوير، فهو يشرح، خلال نقده لأيديولوجيا العدالة الاجتماعية، إشكالية القبلية السياسية في عنجهيتها المعرفية؛ «كيف تجرؤ على القول بأن "الموضة" التي تبنّتها جماعتنا البارحة، هي ليست حقيقة مطلقة منذ آلاف السنين؟».
«الشلّة» التي تكره الممانعة
أجزم بأنّه في العقد السابق ظهرت زمرة في الطبقة الوسطى المشرقية لديها نظرتها «الضيقة» عن المنطقة والعالم؛ حزب الله والمحور هما أسوأ شيء حدث في المنطقة، ونظرية مناهضة الإمبريالية الغربية فشلت ويجب القطع معها وحتى إدوارد سعيد أصبح cancelled لأن إرثه خطير يبرّر جرائم «المحورجي والقومجي».
في البداية، فلنقل إن الحزب والمحور هما بالفعل سيّئان للغاية. أنت لا يمكن أن تنتقد ظاهرة على نحو علمي صحيح دون التجهيز المُسبق لنقد نقدها. على سبيل المثال، هل هناك «أسفل وأسوأ» من دونالد ترامب؟ بعد عام 2016 ظهر المثقفون واليساريون الذين يمارسون نقد «نقد ترامب» بمواجهة هيمنة الحزب الديمقراطي (من بينهم فريدي دي بوير)، بحيث كانوا جاهزين فكرياً عندما ساءت الأمور واندلعت حرب أوكرانيا. هؤلاء يقولون: وإن كان محبّو ترامب زمرة ذات نظرة فاشية للعالم، تبقى الأولوية معرفة الظروف المادية التاريخية وراء وصول ترامب إلى الحكم.
لا يوجد مرادف لهذا الحراك الفكري في المشرق العربي. مناهضو المحور يقولون إن داعميه مجانين يعيشون في قلعة معزولة عن الواقع. ألم تسألوا أنفسكم عن سبب العزلة؟ على العكس، أتعجّب من الحزب وجمهوره، لو مررت بما واجهاه من حرب إعلامية وأمنية وعقوبات قيصرية لكنت قد جننت منذ زمن بعيد حتى قبل حقبة «الطوفان».
الحرب الأخيرة كشفت لنا أن القبيلة السياسية البعيدة عن الواقع هم مناهضو الممانعة. نتنياهو يخبر السعوديين: اقتطعوا من أراضيكم كي تقيموا دولة فلسطينية عليها، إسرائيل تقصف دمشق وتصف حكّام سوريا الجدد بالإرهابيين، وجمهور الكيان، الزمرة الأكثر عتهاً وخطورة في منطقتنا، ينصّبون المخبول مصعب حسن يوسف كحكيم للقوم يؤكّد نظرتهم الإبادية للعالم، ووليد جنبلاط يخبر جاد غصن آسفاً بأننا بتنا فعلاً نعيش في العصر الإسرائيلي... كل ذلك ولا يزال هناك أشخاص في لبنان يكتبون عن هيمنة «الحزب» والـ«Hezb» و«الحز» بينما للمفارقة يتجنّبون ذكر اسمه الكامل «حزب الله» بسبب هيمنة الخوارزميات الأميركية على وسائل التواصل الاجتماعي!
الخاتمة
في جريدة «الأخبار» لا أشعر بأنني في «زمرة» منغلقة التفكير. يستقيل صحافيون منها كفداء عيتاني، فتستعيد عافيتها بالجديد: جيل من الشباب المستقل فكرياً (مثل أحمد ضياء دردير وبشار اللقيس) والملتزم بمبدأ إدوارد سعيد: «لا تضامن دون نقد».
ربما المشترك بين «تويتر فداء» و«يوتيوب جاد» -أي جاد غصن- أن 17 تشرين مرحلة فاصلة في حياة كليهما، مع فارق أن أحدهما نضج بعد الثورة كإعلامي هادئ مهني ومستقل، والآخر استكمل بعد الثورة عملية تحوّله إلى القبيلة السياسية على الطرف الآخر.
* كاتب فلسطيني
