الحوار المُسرَّب بين عبدالناصر والقذافي: السياق والصدمة


إنّ الصدمة والمفاجأة اللتين أحدثهما بث مضمون هذا التسجيل، وخصوصاً في تيار مقاومة العدو الصهيوغربي، وأيضاً في الخندق المضاد والداعي إلى الاستسلام، تأتيان لتؤكدا بشكل غير مباشر حقائق وحيثيات عدة من أهمها:
-حجم الصدمة والمفاجأة أكد مكانة الزعيم الراحل عبد الناصر الرفيعة في الضمير والذاكرة الجمعيين للعرب والمسلمين رغم كل ما قيل قديماً وما سيقال حديثاً ورغم كل ما حدث في عهده من إنجازات وانكسارات وسلبيات وإيجابيات، فالتجربة الناصرية تجربة تاريخية بشرية قابلة للنقد والأخذ والعطاء.
-إن هذه الصدمة التي تولدت من التسجيل المُسَرَّب هذه الأيام وبعد نصف قرن على الحدث، وبغض النظر عن صحة ما قيل عن اجتزاء نص التسجيل وحذف فقرات منه من عدمها، هي نتيجة القراءة الخطأ وغير السياقية للتسجيل في الجانبين المؤيد لمقاومة الصهيونية غالباً والمستسلم لها والرافض للمقاومة تحت شعارات من أقبحها «رفض حروب الآخرين» وكأن الخطر الصهيوني حكر على فلسطين وحدها!
-إنّ التسجيل لم يأتِ بحقائق جديدة على صعيد طبيعة النظام الناصري الطبقية والسياسية وتَحَكُّم المؤسسة العسكرية المصرية العريقة في مؤسسات الدولة والحياة السياسية، فالقرار كان بيدها والحكم الشمولي والحاسم كان بيد رجلها الأول والذي وضعته المقادير والمقدرات على رأس هرم السلطة.
السياق ونقدان مختلفان للناصرية
بناء على ما سبق، ينبغي التمييز بين نقدين لهذه التجربة:
- نقد من جهة اليسار يطالب بتوسيع تجربة الحكم وتعميق الديموقراطية والحريات الفردية والعامة لمصلحة عملية مقاومة العدو الصهيوغربي وتحرير الأرض العربية المحتلة، وهو نقد محق وصائب وضروري بدليل الخلاصة التاريخية المرّة التي انتهت إليها التجربة الناصرية. فلو كان نظام الحكم ديموقراطياً شعبياً حقاً، لما تمكّن السادات من جرّ مصر والعرب إلى كارثة «كامب ديفيد» التي كسرت ظهر الجميع حتى يومنا هذا!
- ونقد آخر من جهة اليمين الطبقي المعادي للثورة المصرية والثورات الاستقلالية الوطنية العربية التي اندلعت بالتساوق معها وبتأثير منها في العراق واليمن وليبيا وسوريا ولجبهة مقاومة العدو الصهيوغربي التي تقودها هذه الثورة. وهو نقد أقرب إلى الهجاء والحرب النفسية التي يشنها حلفاء العدو وقواته «الناعمة»، وهو نقد ما يزال مستمراً حتى يومنا هذا. وجاءت التسريبات لتنفحه كمية أوكسجين كبيرة ليخرج منها بدلالات وأدلة زائفة تحت لازمة «ألم نقل لكم؟» وكأنهم اكتشفوا العجلة، وهي أدلة زائفة لأن القائلين بها كسروا السياق التاريخي للحدث المعني عن سابق قصد وتصميم.
التسجيل المسرب للمحاورة بين الرئيسين الخارجين قريباً من ثورتين جمهوريتين استقلاليتين، عبد الناصر والقذافي، صحيح، ولا غبار على محتواه من الناحية الفنية، أي إنه حقيقي وليس مفبركاً أو مبتوراً، ولكنه مقطوع عن سياقه التأريخي والسياسي المصري والإقليمي والدولي. فماذا يقول السياق؟
-التسجيل سُجل في شهر آب 1970.
- توفي عبد الناصر فجأة بالسكتة القلبية بعد قمة القاهرة 28 أيلول 1970.
-المدة، إذاً، بين التسجيل ووفاة ناصر لا تتجاوز الشهرين. أمّا سياق المحادثة السياسي الدولي والإقليمي للتسجيل، والذي ينبغي التركيز عليه حتى يمكننا فهمه والإضاءة عليه، فهو سياق «مبادرة روجرز» والتي قدمتها الإدارة الأميركية في 5 حزيران من العام نفسه أي قبل ثلاثة أشهر تقريباً. المبادرة التي حملت اسم وزير خارجية الولايات المتحدة وليام روجرز، دعت إلى إيقاف إطلاق النار خلال حرب الاستنزاف بين مصر والكيان لمدة 90 يوماً، على أن يدخل الطرفان في مفاوضات جديدة لتنفيذ القرار الأممي 242.
وقد استجاب الطرفان ووافقا على وقف إطلاق النار بموجب المبادرة الأميركية في 8 آب 1970. إسرائيل وافقت عليها للتقليل من خسائرها المتفاقمة والتي لا تتحمّل استمرارها خصوصاً في الأرواح، ومصر أرادت ربح الوقت بهدف إكمال استعداداتها العسكرية، إلا أن إسرائيل لم تفِ بالشق الثاني من المبادرة ورفضت الدخول في مفاوضات الانسحاب من الأراضي المصرية. سقطت المبادرة في 4 شباط 1971 أي بعد وفاة ناصر ووصول السادات إلى الحكم، حيث أعلنت مصر رفضها تمديد وقف إطلاق النيران، ومعه رفض استمرار حالة اللاسلم واللاحرب.
الجذريون العرب ضد مبادرة روجرز
إن نقد الجذريين العرب، أنظمة وقوى سياسية، في العراق واليمن الجنوبي والجزائر وسوريا، وحتى ليبيا، للقيادة المصرية بعد موافقتها على مبادرة روجرز، والذي يرد عليه ناصر بمرارة في التسريب، كان رد فعل طبيعياً تماماً على تلك الموافقة على مبادرة تدعو إلى هدنة لمدة ثلاثة أشهر تليها مفاوضات على أساس القرار الأممي 242. وهو قرار واضح السلبية ولا يستجيب للحد الأدنى من الحقوق العربية في فلسطين ومصر.
فهو يقضي في مادته الأولى، الفقرة أ بـ«انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير». وقد حذفت «أل» التعريف من كلمة «الأراضي» في النص الإنكليزي بهدف المحافظة على الغموض في تفسير هذا القرار. وإضافة إلى قضية الانسحاب، فقد نصّ القرار على إنهاء حالة الحرب والاعتراف ضمناً بإسرائيل دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار مشكلة لاجئين ليس إلا.
إنّ الآراء التي عبّر عنها ناصر في التسجيل تبدو تعبيراً عن تبرّمه وانزعاجه مما قيل من نقد وبيانات شاجبة للموافقة المصرية على المبادرة وإنْ لم يقل ذلك صراحة. أمّا على أرض الواقع، فإنّ مبادرة روجزر - وهذا ما لم تكن تعلمه الأطراف العربية الناقدة - خدمت القيادة المصرية لإكمال تجهيزاتها وتدريباتها السرّية لحرب أكتوبر/تشرين الأول سنة 1973، أي بعد أقل من ثلاث سنوات فقط على التسجيل ووفاة ناصر.
إذا كان هناك أمر أكده ضمناً بثّ هذا التسجيل المسرّب فهو ترسّخ الصورة الإيجابية للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لدى الرأي العام والضمير العربي الجمعي من المحيط إلى الخليج كزعيم عربي مبدئي ومخلص لقضية فلسطين
شهادة الفريق سعد الدين الشاذلي
إنَّ مَن يقرأ بتمعّن مذكّرات الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري خلال حرب أكتوبر، يتأكد من أن الاستعدادات لتلك الحرب والتجهيزات بدأت قبل تاريخ التسجيل أي في وقت مبكر من عهد ناصر. فالخطة العسكرية المسماة «الخطة الرقم 41»، كما يخبرنا الشاذلي، أُجريَت عليها تعديلات طفيفة سنة 1972، وتم تغيير اسمها إلى «غرانيت 2»، وهذا يعني أنها وضعت قبل هذا التاريخ أي قبل وفاة عبد الناصر. وأخيراً فقد تم اعتماد الخطة الهجومية الثانية «المآذن العالية» بعد أن رأى وزير الحربية الجديد أحمد إسماعيل عدم إمكانية تنفيذ «غرانيت 2» لصعوبتها ومتطلباتها الكبيرة وكل هذا يعني أن مرحلة الاستعداد والتخطيط لحرب أكتوبر بدأت في عهد عبد الناصر.
فهل تعمّد عبد الناصر تعميم التشاؤم والنظرة غير المبشرة بالتعويل على مبادرة روجرز والمفاوضات لربح الوقت وخداع العدو؟ أعني، هل تعمّد عبد الناصر الحديث بهذا الأسلوب الموحي بالإحباط والتراجع عن موقفه السابق القائل بالحسم العسكري، على سبيل التمويه والتضليل التكتيكي للعدو؟ هذا الاحتمال يبقى وارداً رغم ما قد يقال من إنه احتمال ضعيف إمكاناً لأن الحديث مع القذافي لم يكن علنياً ولم يتم تسريبه لاحقاً، وربما كان ناصر يأمل أن يتم تسريبه ولم يحدث ذلك، وإلا فلماذا تم تسجيله؟
ولكن عمديته تتضح وتقوى أكثر حين نضعه في ضوء أمرين:
الأوّل، غضب العرب الجذريين، أنظمة وقوى سياسية، في العراق وسوريا والجزائر واليمن الجنوبي، على موافقة ناصر على مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار لثلاثة أشهر تؤدي إلى مفاوضات، واستمرت المبادرة سارية المفعول حتى سنة 1971 في عهد السادات حتى جاءت حرب أكتوبر بعد سنتين لا أكثر.
والثاني، احتجاج رئيسة وزراء العدو غولدا مائير لدى واشنطن في مدة قريبة من زمن التسجيل المسرب حين أبلغتهم احتجاجها على قيام الجيش المصري بنشر عدة منظومات رادار ووحدات صواريخ سام ثلاثة السوفياتية. ولمحت مائير حينها إلى أن عبد الناصر كان يخدعهم -الأميركيين- بالموافقة على مبادرة روجرز ويحاول شراء الوقت.
شواهد وأدلة على استعدادات ناصر للحرب
في الواقع، ثمة شواهد وأدلة وأحداث كثيرة يمكن إيرادها هنا لتأكيد هذا المعنى في كلام الرئيس المصري الراحل، والتي لو جمعت كلها في نظرة سياقية ومتعمقة ومقاربة للحقيقة لتأكد لنا أن التسريب لم يكن انقلاباً جذرياً واستسلامياً للرئيس عبد الناصر ضد نفسه، ومن تلك الشواهد والأدلة أورد العناوين التالية والتي سبقني إلى تلخيصها وتوثيقها الصديق منير التميمي في مقالة له في المناسبة ذاتها:
- في عهد عبد الناصر، وليس بعد وفاته، تمّت إعادة تسليح الجيش المصري بأحدث ما ينتجه الاتحاد السوفياتي. وعلى امتداد عامين قبل وفاته تم بناء جدار الصواريخ السوفياتية غربي قناة السويس.
- كما تم في عهده الاتفاق على بعثة خبراء الصواريخ والرادارات وشبكة الاتصالات المشفرة السوفيات وعلى بعثة الطيارين الكوريين الشماليين (تحت ذريعة التدريب).
- طلب عبد الناصر من الرئيس العراقي أحمد حسن البكر إبقاء قطع المدفعية العراقية الثقيلة وعشرة آلاف ضابط وجندي عراقي في الأردن وثمانية آلاف ضابط وجندي عراقي في سوريا.
- قبل وفاته بأسابيع قليلة، طلب عبد الناصر من العراق والجزائر والسعودية فتح اعتمادات مصرفية بالعملة الصعبة في بنوك خارجية لدعم الجهد الحربي المصري.
- في سنواته الأخيرة، تم نصب وتشغيل محطة الرادار البحري المصرية في اليمن الجنوبي لمراقبة خليج عدن وباب المندب.
- جميع الضباط المصريين الجدد الذين خاضوا حرب أكتوبر، الذين تخرجوا من كليات حربية مصرية، كانوا قد بدأوا دراستهم في عهد عبد الناصر، والدليل على ذلك أنَّ مدة الدراسة في الكليات لا تقل عن أربع سنوات فيما السنوات بين وفاته والحرب لا تتعدّى ثلاث سنوات!
- وحتى على مستوى الأنظمة العربية آنذاك، فلا يمكن تعميم الموقف السلبي والهاجي لها الذي عبّر عنه عبد الناصر، والذي لا يمكن إلا وضعه في إطار رد الفعل العصبي السريع على بيانات الرفض والشجب ضده بعد موافقته على مبادرة روجرز. ففي الحقيقة، لم تتهرّب سوريا السبعينيات من مسؤوليتها حين اندلعت حرب أكتوبر بل انخرطت فيها بكامل قدراتها العسكرية، المادية والبشرية. ونفذ الرئيسان الجزائري بومدين والعراقي البكر تعهداتهما المالية لمصر والتي تعهدا بها لعبد الناصر قبل وفاته عندما بدأت الحرب بعد رحيله.
- وكانت القوات المدرعة الليبية ضمن الأرتال المدرعة الأولى التي عبرت القناة مع الدروع المصرية. وشاركت الدروع والمدفعية الجزائرية في المعركة. وقاتل ضباط وجنود التجريدة المغربية في سوريا بشراسة في المعارك وقد استشهد فيها قائدهم الجنرال البطل عبد السلام عامر الصفريوي قائد القوات المغربية على جبهة الجولان وعدد من جنوده.
- كما شاركت ثلاثة ألوية كوماندوز فلسطينية على الجبهة السورية ضمن قوات جيش التحرير الفلسطيني ولواء كوماندوز فلسطيني على الجبهة المصرية.
- وقد اشترك سربا طائرات الهاوكر هنتر العراقية المرابطان في قاعدة «قويسنا» المصرية الجوية. واستجاب الرئيس العراقي البكر فوراً لطلب الرئيس السادات بإرسال ما تبقى من طائرات الهاوكر هنتر في العراق إلى الجبهة.
- وقد أغضب العراق موسكو حين أخلَّ بشروط عقد تجهيز السوفيات للعراق بصواريخ أرض - أرض من طراز لونا الثقيلة والتي يُمنع عليه توريدها لطرف آخر واستجاب لطلب السادات بنقل هذه الصواريخ إلى مصر قبيل الحرب واستخدامها في الحرب.
- كما أرسل العراق كتائب دبابته الثقيلة، على الناقلات وعلى السرفات/ الجنازير، لتقطع مسافة أكثر من ألف كيلومتر نحو الجبهة السورية صبيحة الحرب.
- وقد أوقفت الأنظمة العربية، وفي مقدمتها العراق والجزائر والسعودية والكويت، تصدير النفط إلى الغرب كسلاح ضغط في هذه الحرب بالتدريج ما أربك جبهة العدو الصهيوغربي وهزَّها هزاً عنيفاً وأجبرها على البحث عن طريقة لوقف الحرب.
وأخيراً، فإذا كان هناك أمر أكده ضمناً بثّ هذا التسجيل المسرّب فهو ترسخ الصورة الإيجابية للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لدى الرأي العام والضمير العربي الجمعي من المحيط إلى الخليج كزعيم عربي مبدئي ومخلص لقضية فلسطين التي دخلت مصر من أجلها ثلاث حروب كبيرة، وضحت بالكثير من أبنائها وإمكاناتها. أي إن قضية مصر لم تكن تحرير سيناء منذ البداية كما يزعم اليوم المتفرجون على شعب غزة وهو يذبح ويباد جماعياً بذريعة «عدم التدخّل المباشر حفاظاً على الأمن القومي المصري»، فسيناء لم تكن محتلة ولا حتى قطاع غزة، وإنما حدث ذلك على طريق محاولات التصدي للقطار الصهيوغربي التدميري والاستعماري لفلسطين وإنقاذها وشعبها منه.
ولم أتوقّف عند حيثية تسريب التسجيل والجهة المسؤولة عن ذلك لأنها حيثية مفتعلة وعديمة الأهمية. فإذا كانت الصحف والقنوات الخليجية، وخاصة السعودية، قد احتفلت بالتسجيل أيما احتفال محاولةً تبيض صفحة زعمائها وأنظمتها الحاكمة في تلك المدة، فإنّ الحقيقة التي كشف عنها السيد عبد الحكيم عبدالناصر، نجل الرئيس الراحل، لصحيفة «الشروق» المصرية، وقال فيها: «إن المحادثات ليست تسريباً، وتسجيلها ومحاضرها كانا متاحين في مكتبة الإسكندرية، وأن محضر اللقاء موجود في مكتبة الإسكندرية منذ أن قامت أسرة عبدالناصر بإهدائها عدداً من أوراق عبد الناصر الخاصة والعامة» تؤكد أن حيثية التسريب والجهة المسؤولة عنها ليس لها نصيب من الأهمية.
* كاتب عراقي
