زحمة يا دنيا زحمة

التأقلم السريع مع المستجدّات المتكاثرة على حلبة الصراع الدولي ليس ترفاً لأحدٍ من الفاعلين في السياسة الدولية، بل ضرورة وجودية. تتعاظم هذه الضرورة القصوى في بلداننا التي تعاني القسوة الأكبر في هذه المدة. يصعب إحصاء الأحداث المصيرية التي مرّت على منطقة المشرق العربي في السنوات القليلة الماضية، بل قد يواجه المؤرّخ صعوبةً في تتبّع الأحداث الكبرى التي قد تكون مغيّرة لمسار التاريخ من أسبوع إلى الأسبوع الذي يليه.
هذه الوتيرة الترامبية للأحداث لن تتغيّر قريباً، بل يصعب تصوّر استقرارٍ قادمٍ قبل أن ترسو كرات الثلج التي تدحرجت من جبال عدة في سفوحها ويذوب الثلج ويبين الهرج من المرج. قد يبدو لمن يجد نفسه وسط هذا الجرف الجليدي أنه لا يملك خياراً غير محاولة تفادي النواتئ الصخرية القاتلة خلال تدحرجه وانتظار مهبط آمن وربيعٍ ما في المستقبل. وقد يكون ذلك عين العقل، ولكن كيف تتفادى مقتلك الذي ينتظرك عند كل قلبةٍ وعالمك يتشقلب مراراً كل يوم؟
في زحمة أحداث الدنيا، تدور مناوشات حرب تجارية على أعلى المستويات، ما دفع أحباباً تاريخيين إلى التعادي، وأعداء تاريخيين إلى التعادي الإكسترا إلى حد المواجهة. لكل ذلك تداعياته على أدنى المستويات في هرم التجارة العالمية، ولكنّه من الأكيد أن النظرية الاقتصادية التي تبشّر بأن الثروات إن طافت في الأعلى تتسرّب إلى قعر حتماً لا تعد القعر ذاته بالازدهار عندما تجفّ المنابع. لكن من باله في حرب التجارة ونيران الحروب العسكرية مشتعلة في كل صوب؟ استفقنا الأحد على عمليات للمقاومة المستمرّة رغم الإبادة في غزة وبالستيّ يمنيّ يغلق سماء بن غريون وينفجر على أرضه رغم توكّل «باتمان» الأميركي و«روبن» البريطاني لعب دور خفر البحور والسموات لحماية كيانهما الاستعماري المؤقت… والمنتفخ في نهاياته.
بينما يروّج لمشاورات واحتمالية اتفاقات إقليمية واسعة، يتوسّع الورم الإسرائيلي في محاولاته تقسيم الجيوب المحرّرة في فلسطين وعزلها. كما إنّه يقصف ويقضم أراضي الشام المتخبّطة بين اجتثاث بعثها وبعثنة شرعها، بينما يهبّ فيها من يهبّ ويدبّ فيها من دبّ غصباً أو طوعاً. لن يتّضح أمر الشام ولن يعمها الأمن العام قريباً، ولكنه لا يبدو أن 17 أيّارها الموعود قريب هو الآخر. بل هو أبعد مع كلّ شهيد يسقط مواجهاً «إسرائيل» وكلّ سقطة تطبيعية لحكّام دمشق الحاليين اللاهثين وراء الدراهم الإبراهيمية. كلّ ذلك وما تزال سوريا تعيش شهر عسلها، ولم نذق مُرّها بعد.
في زحمة الاستحقاقات هذه في منطقتنا، تبرز استثنائية الأمل في لبنان، لم يعد الحديث عن مناقبية القاضي وصلابة القائد في العهد الجديد فحسب، فهذان الأمران مسلّم بهما، لا بل يبدو أن هنا فعلاً عدوى الإنجاز تتسرّب من أعلى الأرزة إلى جذورها المغروسة في صخور جبال لبنان. فبعد إنجازات مبعوثة ترامب في إعاقة إعادة الإعمار في قرى المواجهة والدفاع البطولي عن لبنان و«بوزاتها» التمثيلية أمام كاميرات قصر بعبدا، ها هو رئيس أوسلو بشخصه يتهيأ لزيارة بيروت وضرب «البوز» نفسه في المكان نفسه لأخذ صورة «تسليم سلاح» رماه هو ورفاقه من زمان. قالها «أوسلويّو» المجلس الأعلى للدفاع بوضوح: لا «حماس» في لبنان بعد اليوم.
لكن من يظن أن في إمكانه التخلّص من «حماس» لبنان لا يعرف لبنان. عبثية المشهد في العالم لا تكتمل إلا مع صورة قرى كسروان الفتوح وحماسها في يوم انتخاب مخاتيرها. يروى أنها سُميت كسروان الفتوح لأنها تاريخياً عصية على الغزاة، ومساحة كسروان بالمناسبة هي مساحة قطاع غزة نفسها تقريباً، ولكن تتميز طبوغرافيتها عن غزة بتضاريسها الوعرة، فكسروان هي الأرض التي أنبتت أسطورة لبنان الشهيرة عن التدحرج من ثلج الجبل إلى قعر البحر في اليوم نفسه. هناك زحمة أحداث إستراتيجية في العالم، ولكن لا زحمة في العالم تتفوّق على زحمة يوم الأحد بين جسر الكازينو ونفق نهر الكلب في قضاء كسروان في جبل لبنان، فكيف إذا كان الأحد عرساً ديموقراطياً بلدياً؟
* من أسرة «الأخبار»
