ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الذائقة العامّة في زمن خواء

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
جمال غصن
جمال غصن
الإثنين 12 أيار 2025
الخط

دائماً ما مُيّزت الفنون «الجميلة» عن الفنون «الشعبية» ودائماً ما اعتبرت الأولى هي الأسمى وتقديرها دليل رقيّ ودلالة الارتقاء الطبقي. فهناك فنون للصالونات وأُخرى للشارع. في الرسم تُعلَّق اللوحات «المُبَرْوَزَة» على حيطان الصالونات ولا يستمتع بجمالها إلا من يستضيفونهم أصحاب الذائقة الراقية، بينما تُطلى حيطان الأزقة بـ«الطسّاسات» غازيَةً مرأى كل من يمرّ في الشارع دون تمييز بين مشاة أو ركّاب مواكب مصفحة. في الموسيقى البيانوهات والقيثارات تدغدغ طبلات آذان روّاد الصالونات نوتةً نوتة، في حين أن الطبول والمزامير تهز خصور الحشود خارج القصور الذين لم تتكبّر جيناتهم على الإيقاعات الراقصة بعد.

لكن إن كانت في زمن رأس المال الإقطاعي الحدود بين داخل أسوار القصر وخارجه واضحة ومحصّنة ففي هذا الزمن المتأخّر من الرأسمالية المعولمة فالحدود تتخذ أبعاداً مختلفة. لا تزال هناك طبقة ذات قدرة شرائية لا متناهية تتحكّم في المذاق الفنّي «الراقي»، فشارٍ واحد في مزاد للوحات فنية قادرٌ على إعلاء شأن فنّان تشكيلي بمجرّد رفع سعر «متر» فنِّه إلى أرقام تعجز غالبية البشرية على استيعابها. ويصادف أن من يحدّد سعر الفنّ الراقي هو نفسه من يحدّد الأسعار في سوق النبيذ الفاخر لأنه إن دفع ألفاً من الفضّة مقابل كأس من العنب المخلّل أعجبه، فيصبح هذا سعره المعتمد ولا طريقة علمية للمنافسة في سوق تحتكرها بضعة حليمات تذوق مزاجية.

لذا غالباً ما يجتمع الفن الراقي والنبيذ الفاخر في الدوائر الصغيرة نفسها التي تعيش على كوكبها الخاص الذي يدور في فلك أرضنا ولكنّه لا يلامسها. لكن الأمر لا ينطبق فقط على الفنون ولا على ذائقة أهل الإقطاع، بل على الذائقة العامة في المأكل والملبس والمعشر والمسلك. هناك سوق استهلاكية اليوم لا يختلف سلوكها كثيراً عن سلوك مترفي الرقيّ والجمال وإن اختلفت قدرات الأفراد فيها على تحديد ذائقتهم، بل هم أسرى دوامة استهلاكية لا تنتهي حتى عند استهلاك الذات حدّ الهلاك.

هذه الدوّامة تتمظهر بأشكال عدّة اليوم في مدننا المتهالكة، وبشكل مكثّف في بضعة أزقة من المدينة المتنازع على مجلس بلديتها هذا الأسبوع والتي اسمها بيروت. في مدينة كانت ولا تزال تحسدها مدن العالم على مطبخها، إن كانت على موائدها الفخمة أو في شوارعها التي تعج بطناجر الحمص وأسياخ الشاورما ومقلايات الفلافل ومناقل المشاوي، تنتشر منذ زمن ظاهرة «الستريت فود» كأنه اكتشاف عظيم. «أكل الشارع» هذا يأتي بنكهات مستوردة وسندويشات كلفة إطعام العائلة منها يفوق الحد الأدنى للأجور.

المشكلة ليست في التنوع الغذائي ولا في الأذواق المنقّاة، بل في نمط الاستهلاك الذي يقرّر عن طبقة الميسورين نسبياً في البلاد ذائقتهم الموسمية فيقرّر عنهم ماذا يحبّون أن يأكلوا ومتى. اليوم اشربوا الشاي المثلج والمطعّم بحبيبات «التابيوكا»، وغداً انبذوه وانطلقوا إلى ثمرة «الأساي» الاستوائية وبعدها توجهوا شرقاً وعليكم بالدجاج المقلي الكوري، وهل احتسيتم «الماتشا» أم بعد؟ وقد يأتي يومٌ تقرّر سوق الاستهلاك تصنيف البامية كـ«سوبرفود» وتتهافت عليها الشعوب شرقاً وغرباً كما فعلت مع عشبة الـ«كيل»، وكلتاهما غير صالحة للاستهلاك البشري أصلاً.

طبعاً تحديد الذائقة العامة عبر صَرعات استهلاكية لا يختصر على الطعام بل السوق المعولمة وحسابات الربح والخسارة لشركات عالمية تحدّد أنماط الاستهلاك في كل شيء. رأس المال يحدّد الذائقة العامّة، الراقية والشعبية منها، إلى حد تسليع الذات واستهلاكها. هنا تصبح هذه الحالة مرضية على المستوى الفردي ووبائية على مستوى المجتمع. وهناك زاوية محدّدة في بيروت لا تحتاج فيها إلى مجهر لترى خلايا هذا الوباء إذ لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة فحسب، بل إن المشهد يسبّب أذى دائماً لعدسة العين.

تقع هذه الزاوية في «قرية الصيفي» عند تقاطع شارع «حمّودي علي» مع خط الفان الرقم 4 الذي يصل حي السلم برأس بيروت. «حمّودي علي» هو النسخة اللبنانية لظاهرة «تيكتوكية» عالمية حيث يسأل «المؤثرين» مرتدي ملابس الماركات في الشارع عن أسعار لباسهم «المهضوم» وغالباً ما يكون المجموع رقماً متبوعاً بأصفارٍ كثيرة. والفكرة هنا هي أن الجميع يملك الذوق نفسه ويمشي بالأحذية نفسها ويحمل الحقائب المعروفة الثمن نفسها. هذا هو «الذوق الراقي» الذي يدلّ أنك وصلت إلى خط النهاية و«فزت» في سوق الاستهلاك المعولم، وهو حين يمكن للجميع أن يُسَعِّرك من نظرة.

اكره مأكلك وملبسك ولغتك وثقافتك واكره حتّى شكلك وذاتك واستهلك الشيء نفسه كالآخرين لتكون من بين الفائزين في هذا العالم، وإن أحسست بخواء فاستهلك المزيد منه. استهلك حتى عظام أنفك وذهون حنكك، وغيّر وجهك لترى في المرآة ما تراه في صور الذكاء الاصطناعي، فهكذا تصبح راقياً وجميلاً وإن كان على شاكلة ضفدع من فيلم كرتون ياباني.

وإن سئمت كل ما استهلكته، فما لك إلّا الشارع وأكله. في هذا الشارع في «الصيفي فيلادج» يمكنك أن تنزل من علياء قصرك الخاوي لتجلس القرفصاء في الشارع مع عشرات الضفادع المستنسخة وتدفع أضعاف الأثمان لتحصل على خدمات بهدلة تعطي معنى لحياتك المستهلكة. الحمد لله، الفان الرقم 4 يبعد خطوات قليلة عن ذاك الكوكب، وهنا على الأرض يصدح صوت «أبو وديع».
* من أسرة «الأخبار»

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك