ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حنين قواريق... الحقيقة كلّ الحقيقة للجماهير

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
ثائر أبو عياش
ثائر أبو عياش
الثلاثاء 13 أيار 2025
حنين قواريق... الحقيقة كلّ الحقيقة للجماهير
الخط

في زمنٍ أصبحتْ فيه الكلمة جريمة، والصورة تُعاقَب، والصوت يُقمع، برزتْ وجوهٌ كثيرة تقاتل من أجل الحقيقة، ومن بين هذه الوجوه، لمعَ وجه الصحافية الفلسطينية حنين قواريق؛ شابة لم تكن تحمل سوى حقيبتها، كاميرتها، ودفترها المُثقل بالحكايات.
لم تولدْ حنين وفي يدها ميكروفون، ولم تصلها العدسات كهبةٍ من السماء. بل بنَتْ طريقها حجراً حجراً، من مقاعد الجامعة إلى ساحات الميدان، متسلّحة بشغف لا يهدأ، وبإيمان عميق بأنّ الصحافة ليست مهنة بقدر ما هي موقف، وبأن الحقيقة ليست مجرد خبر يُنقل، بل ضوء يُشعل الوعي، حتى وإنْ أحرق أصابعَه مَن يحمله.

أثناء دراستها الجامعية في كلية الإعلام، لم تنتظرْ حنين التّخرج لتبدأ رحلتها، منذ لحظة دخولها إلى الجامعة، كانت تعرف أنها تريد أكثر من شهادة، كانت تبحث عن صوتها، عن مكانها في مشهد إعلامي يُقابِل فيه الصحافي الفلسطيني الكاميرا بالرصاص، والمعلومة بالاعتقال.
شاركت في تدريبات متنوعة، وتدرّبت في إذاعات ومؤسسات محلية، وعملت على تطوير أدواتها في الكتابة والتصوير وصناعة القصة. لكن ما ميّز حنين لم تكن مهاراتها فقط، بل إنسانيتها. كانت تؤمن بأن القصة الحقيقية لا تُصاغ بالحبر فقط، بل تُكتب بالانتماء، وبأنّ العدسة لا تلتقط الصور فحسب، بل تلتقط الأرواح.

بعد تخرّجها بتقدير امتياز، انضمّت إلى مشروع «مواطنات» التابع لجمعية المرأة العاملة الفلسطينية، بالتعاون مع «شبكة وطن الإعلامية»، وهناك أطلقتِ العنان لصوتها النسوي، الصحافي، الوطني. أعدّت قصصاً توثّق معاناة النساء الفلسطينيات، روتْ حكاياتِ الألم والمقاومة، وجعلت من صوتها مساحةً للمنسيّات والمهمّشات. سرعان ما أثبتت نفسها، وأصبحت موظفة رسمية في «شبكة وطن»، تحمل على عاتقها مسؤوليةَ أنْ تكون مرآةَ مجتمع، وشاهدة على زمن تتعرّى فيه إنسانيّتنا أمام شاشات العالم.
لكنّ هذا الصوت، الذي لم يتلوّنْ، لم يُساوِم، ولم ينكسرْ، لم يكن ليمرّ بسلام في عيون المحتل.

في صباح 7 أيار 2025 وأثناء توجهها لتغطية صحافية في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، أوقفت شرطة الاحتلال حنين عند حاجز زعترة العسكري. لم يكن معها سوى زميل مصوّر، ومهمتها الصحافية. ومع ذلك، اقتيدت إلى مركز شرطة في مستوطنة «أريئيل»، دون مبرّر، دون تهمة واضحة، سوى أنها «صحافية فلسطينية».
إنّ اعتقال حنين ليس حادثاً فردياً ولا استثناءً في ظل التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد الصحافيين، خصوصاً بعد الحرب المدمّرة على غزة، التي خلّفت شهداء بين صفوف الإعلاميين، وفتحت فصلاً جديداً في سياسة «تكميم الأفواه» التي يتّبعها الاحتلال. فمن غزة إلى الضفة، من الكاميرا إلى القيد، يخوض الصحافي الفلسطيني معركة مزدوجة: واحدة من أجل الخبر، وأخرى من أجل البقاء.

ما جرى لحنين هو جزء من هذه المنظومة الممنهجة، التي ترى في الحقيقة تهديداً وفي الصحافي عدوّاً. الاحتلال يخاف من الكلمة، لأنها توثّق، تفضح، تحاسب. يخاف من العدسة، لأنها تُظهر ما يسعى لإخفائه. ويخاف من حنين، لأنها شابة فلسطينية قرّرت أن تكون حرّة في زمن القيد.

الاعتقال لم يكن فقط لحظة اختطاف جسدي لصحافية، بل محاولة لكسر نموذج. حنين تمثّل الجيل الجديد من الإعلاميين الفلسطينيين، الذين لم يعد يرهبهم السجن ولا الترهيب، والذين يعرفون أن حمل الكاميرا في وجه البندقية ليس تهوّراً، بل شجاعة. يعرفون أن الرواية الفلسطينية يجب أن تُروى، مهما حاولوا خنقها.
لكن لحنين قصة أوسع من لحظة الاعتقال. قصتها هي قصة الحُلم الفلسطيني المُحاصر، الحُلم الذي يصرّ رغم القيد على أن يكتب، أن يصوّر، أن يُضيء. قصتها هي قصة المرأة الفلسطينية التي لا تكتفي بالبقاء، بل تقاتل من أجل أن تكون حرة، واعية، مؤثّرة.

اليوم، تُعتقل حنين، لكن صوتها لا يزال حرّاً. حكاياتها التي نشرتها، قصص النساء التي سردتها، تقاريرها التي أعدّتها من قلب الشارع... كلها ما زالت شاهدة. والاحتلال الذي أراد إخراسها، لم يدركْ أنه بذلك يوسّع صدى صوتها.

حنين لم تكن تعمل لمجرّد نقل الخبر، بل لتقديم الحقيقة، كلّ الحقيقة، للجماهير، كما كان يقول الشهيد الأديب غسان كنفاني. الحقيقة التي تستحق أن ترى الواقع بلا تزييف أو رتوش. كانت تدرك، كما قال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، إنّ الإعلام الحرّ هو ساحة العقل الجمعي، حيث تتشكّل القناعات وتُصنع الإرادات، ولذلك، لم تكن قصصها مجرد تقارير، بل مرآة صادقة لوجع الناس، وصوتاً لما لا يُقال، آمنتْ بأنّ الصحافة ليست صناعة أخبار، بل صناعة وعي، لم تُرِد أن تكون محايدة بين الضحية والجلّاد، بل منحازة للحقيقة، كما يجب أن يكون كل إعلامي حين تكون الحقيقة في خطر.

لأن الصحافة ليست فقط منبراً، بل هي موقف، وإعلان انحياز، ولأن الصحافي ليس ناقلاً محايداً، بل هو شاهد مسؤول. وحنين، بهذا المعنى، ليست فقط صحافية فلسطينية اعتُقلت، بل هي رمز لجيل لا يكتب الحقيقة، بل يعيشها.
في زمن الظلام، تُصبح الحقيقة ضوءاً مكلفاً، لكنّ حنين اختارت أن تحمله، حتى وإن كبّلوها. اختارت أن تكون ضوءاً، لأنّ النور وحده لا يُعتقل.

* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك