هبّة أيار 2021: رحلة إلى زمن 1987

[إلى «شادي»]
في أوقات الانتفاضات والهبات، لا أعرف أحداً، شاباً كان أو شابة، قال لوالدته بصراحة على الهاتف إنه في وسط «المواجهات» و«نقاط التماس». عوضاً عن ذلك، كانوا يردّدون الكذبة البيضاء: «أنا في بيت صديقي، لا تقلقي نحن على سطوح البيت، نشاهد التظاهرات من بعيد».
هذا يشبه ما قلته لوالدتي، عندما أخبرتُها على الهاتف بأنني في مطعم شعبي وسط رام الله مع أحد الأصدقاء، وأننا نتجهّز لتناول طعام الإفطار عند المغرب. في الواقع، كنت جالساً مع صديقي على سفح تلة في بلدة نعلين، أمامنا عُلب من اللّبنة والحمّص والمخلّل، أي ما يُسمّى في فلسطين «وجبة عمّال البناء». كنّا حينها ننتظر أذان المغرب لتناول طعام الإفطار كي نتسلّل بعدها عبر أحراج «وادي نطوف» إلى القدس، للمشاركة في التظاهرات المقدسيّة بعد بضعة أيام من انطلاقة الهبة في جمعة وداع رمضان يوم 6 أيار 2021. خُطّتنا لم تنجح بالطبع، بعد اقتحام دورية حرس الحدود لطريق الوادي حيث اندلعت المواجهات بينها وبين شبّان قرية نعلين.
عند عودتنا إلى ساحة حافلات نعلين، فوجئنا بالصراخ المحتفل لأهالي القرية التي تملك إطلالة على الأفق الساحلي الفلسطيني، كان المنظر رائعاً، صواريخ المقاومة وأضواء القبّة الحديدية ملأت السماء. الجبهة الغزّية لإسناد القدس كانت قد فُتحت منذ فترة وجيزة، والشهيد محمد الضيف كان قد وفى بوعده بعد تحذير قوات الاحتلال بالانسحاب من المسجد الأقصى. وبعد عودتنا من نعلين إلى رام الله، ورؤيتنا للناس يخرجون للتظاهر في كل زاوية من زوايا المدينة، تبيّنت لنا ملامح المشهد الجديد: لا داعي للتسلّل إلى القدس لأنّ الأرض الفلسطينية كلّها كانت قد تحوّلت إلى القدس.
الحشود البشرية كلها رفدت إلى نهر واحد كبير متّجه إلى دوّار «السيتي إن» المقابل لمقرّ القيادة العسكرية للاحتلال في بيت إيل. تحوّل الدوّار إلى ساحة هامّة من ساحات الهبّة في الأسابيع القادمة، حينها راودنا كجماهير شعور جديد قديم، شعور بلا نهاية للحدث، ولا نهاية للحشود من بلدة رام الله القديمة الـ«تحتا» وحتى «السيتي إن»، بلا نهاية للجغرافيا من غزة إلى اليد صاحبة العصيان المدني الرائع إلى القدس، كما لا نهاية للوقت حيث يرتبط الليل بالنهار كما يرتبط اليوم الأول من الهبّة بيومها العاشر، إلى لا نهاية المجتمع حيث تصبح كل البيوت مفتوحة وطعام الجميع وشرابهم وابتساماتهم متوفّرة للجميع.
لا نستطيع الحديث عن هبّة القدس ومعركة سيفها دون ضبط المصطلحات، من مصطلح «المقاومة السلمية» والذي هو في الواقع إضفاء للبيروقراطية على العمل السياسي وإخراج لـ«السياسة» من مضمونه، إلى مصطلح «ثورة» خاصة بعد الربيع العربي الثاني، حيث وصل «الناشط» إلى حدّ الابتذال كشخص يريد تحويل تظاهراته واحتجاجاته إلى «ليس أقل من ثورة» مقدّسة لا صوت يعلو فوق صوتها. هبّة أيار -رغم عيبها الأكبر الذي يكمن في أنها لم تستمر- لا يمكن تأطيرها في سياقات ممارسة السياسة في نهاية التاريخ بالقرن الحادي والعشرين.
في المسار ما بين «سيف القدس» و«طوفان الأقصى» قد تصبح هبّة أيار أساسية لإجراء المراجعات الأساسية للعمل الشعبي المقاوم
الهبّة لم تكن احتجاجاً عربياً اعتيادياً على رفع الضرائب هنا وانهيار العملة هناك، ولم تكن مطالبة بحكومة أفضل خالية من الفساد، ولم تكن لها علاقة بجملة «بدنا نعيش وليش بلداننا مش زي الخليج؟»، الهبّة لم تكن مطالَبة بحياة أفضل، بل كانت هي بحد ذاتها الحياة الأفضل.
الهبّة لم تكن ضرورة من أجل الإصلاح أو التعبير عن السّخط، بل كانت ضرورة من أجل النجاة والتعبير عن أن المواجهة لم تنتهِ، ليس فقط ضد إسرائيل بل ضد أميركا بحد ذاتها، حتى إن متحدّث الخارجية الأميركية السيّئ الصيت نيد برايس، قبل تسعة أشهر من إخبار إدارته للأوكران: «اذهبوا للقتال وليحترق كل شيء»، كان بفوقيّة يوصي الفلسطينيين بأن الأولوية هي «للتهدئة».
ممّن كان يخاف نيد برايس وحليفه الإسرائيلي؟ من قريبي «شادي» بالمواجهات أمام بيت إيل؟ صحيح أنه بالهبّة كنّا قد تعرّفنا إلى أصدقاء جُدد وكنا نتّفق ونخطّط معهم للذهاب إلى المواجهات. لكنّ الأكثر ظرافة، كان الالتقاء عن طريق الصدفة بأقارب لم يجمعك معهم مجلس منذ سنوات كثيرة.
أنا أفهم مثلاً، أن ألتقي ببعض أولاد العموم المجانين في منتصف التظاهرات صدفة بينما نختنق معاً بقنابل الغاز المقذوفة من مصفّحات الاحتلال، وخاصّة أولئك العازبين في نهاية الثلاثينيات الذين يحبّون المشاكل.
لكن شادي؟ شادي لم يشتغل بشهادته وانتقل من عمل إلى آخر من أجل إطعام عائلته، هو لم يتعلّم الإنكليزية للعمل في منظّمات غير حكومية، ولم يهاجر على جواز سفره البرازيلي، وهو غير «مسيّس» بالمعنى النّمطي المعاصر ولم يحاول أن ينشر مقالاً محبّاً للمقاومة على «الأخبار» و«مدوّنة الجزيرة» و«متراس»، ولم يتقدّم لنشر مقال كاره للذّات الثقافية على «درج» أو «رصيف22». كلّ ما كان يميّز شادي هو أنه استمرّ بالذهاب إلى الخطوط الأولى من المواجهات حتى بعد أن تقلّصت إلى حدّ التّلاشي بعد وقف إطلاق النار في 21 أيار 2021.
في المسار ما بين «سيف القدس» و«طوفان الأقصى»، قد تصبح هبّة أيار أساسية لإجراء المراجعات الأساسية للعمل الشعبي المقاوم. ليس الهدف هنا المزايدة وتوجيه الاتهامات، ذلك لأن تلاشي هبّة أيار 2021 وفشل حدوث هبّة شاملة بعد طوفان 2023 يتشاركان معاً في الحمض النووي نفسه، وفي العوامل البنيوية نفسها.
وفي معرض الحديث عن خذلانه من ردّة فعل الطبقة الوسطى الفلسطينية على الحرب، يتحدّث مجد كيّال عن حيفا أخرى مليئة بـ«المتاريس» خلال أيار 2021. هذا ما يذكّرني بالأكاديمي عزام أبو العدس الذي وصف ردّة الفعل غير المرتقية لحجم الحدث الغزّي: «كمثل رجل جاء بسريره، ووضعه في منتصف شارع رئيسي في منتصف الليل، والأضواء مطفأة، وهو يأمل أنّ الشاحنات لن تدوسه».
بالفعل؛ إما أن «ننام» في وسط الطريق أو ننصب المتاريس -مرة أخرى- في وسط الطريق.
* كاتب فلسطيني
