رسالة إلى ثابت العمور

قبل نحو شهر كتبتَ رسالةَ عتب على أصدقاء وزملاء دراسة ورفقاء غربة، جمعتك معهم الأيام والذكريات. افتتحتَ ما كتبته على صفحتك في «فايسبوك»، بالتالي: «مخذولين، مصدومين، جعانين، تعبانين، مكلومين، خائفين، فاقدين، مفقودين، رصيدنا من الإيمان يزيد وينقص، محتاجين حد يطمن علينا يواسينا يطبطب علينا يدعمنا معنوياً ونفسياً، محتاجين حد يتفقدنا قبل أن يفقدنا».
أيها الصديق الذي لم نلتقِ إلا قليلاً قبل سنوات، مع بعض النقاشات التي دارت بيننا بوجود آخرين، بعضها كان حاداً من دون أن ترتفع وتيرة الصوت بيننا. ما قلته في منشورك «العاتب» كثير كثير على الآخرين، فلم يعد لدى أحد في الخارج ما يقوله. البعض التزم الصمت لأن الكلام عنده انعدم، والبعض خائف، والبعض الذي يعتبر رأيه سيدخله في معترك السياسة، وهناك من يخافون على مصالحهم.
يا ثابت يا أيها الثابت،
غزة هي المكان الوحيد في المنطقة، الذي يمكن القول إن ما يحدث فيها واضح، بلا أي محاولة للتأويل أو التفسير، مجزرة ومقتلة ومذبحة، فقدان لكل شيء، وفقد للجميع. أمّا باقي البلاد التي تعرفها بمسميات عدة، فلم تعد كما كانت، لم يعد أي شيء خارج غزة تحديداً، وفلسطين عموماً، يشبه ما تعرفه.
البلاد العربية والإسلامية وقعت، شعوبها كما كانت دائماً على ما يبدو، على الأقل في السنوات العشر الأخيرة، لا حول لها ولا قوة، كلمة معارضة للنظام الحاكم تحوّل صاحبها إلى عميل، وربما تحوّله إلى أحد أسباب النكبة الحالية، وبهذه الطريقة غالباً تغطي الكثير من الحكومات العربية والإسلامية سوْءتها.
لكن يا صديقي، في ظل الإبادة، ومن شدّتها في غزة، اتضحت الأمور بشكل حاد، بشكل لم يعد سهلاً تجاوزه، لكن الجميع وأؤكد لك يتجاوزه. اتضح أن دول العالم بأسرها، تابعة، دولة تتبع لدولة، وكل حديث عن السيادة، حديث عن الهراء، ولا يوجد في العالم، سوى بضعة أفراد، وقلة من الجهات، التي ما تزال تقاوم التبعية الكاملة. واتضح كذلك أن الديموقراطية فخّها اسمه صندوق الانتخاب، فما إن يضع المواطن في دول العالم الأول ورقته، تنتهي مهمته، حتى يأتي موسم الانتخابات الجديد، وما إن يفوز مرشح ما، فإنه ينفذ ما تريده الأجندة، ومهما صرخت أصوات في الشوارع لاحقاً، لتقول لا، فإن هذه الأصوات ستنام بعد حين، بعد أن تهمل حيناً، وتقمع حيناً، وفي المحصلة لن يرد عليها أحد.
وهذا ما يحدث منذ بدء العدوان على فلسطين، قبل مئة عام تقريباً. كل شيء بحاجة إلى تفكيك، وإعادة تركيب، وفي ظل المنظومة الدولية القائمة، فإنّ مثل هذا الفعل، لو أقدم عليه أحد، فإنه تقريباً إعلان حرب عالمية، تتّحد فيها «المنظومة» في وجه «المتحدّي».
لا أخفيك، حاولوا، أبناءُ العالم الأول، ومعهم جالياتنا العربية والإسلامية من أبناء العالم الثالث، أن يفعلوا شيئاً، وهم يحاولون حتى اليوم، ولكنهم لن ينجحوا، وإن نجحوا في مرة من المرات، فإن بيعاً وشراء سيجريان، فلا شيء مجانياً في عالم رأس المال، وفي عالم تحكمه قذارة السياسة.
أمّا في عالمنا الثالث، والعربي منه تحديداً، فلا تستغرب، لم ولن يحدث شيء، لن يخرج أحد ويتمرّد، ولن يخرج أحد ليقول كلمة حق في الشارع، فالأمن والأمان مقياسهما غياب هؤلاء وحضورهم، وهم موجودون فقط من أجلهم. ومثلهم جماعة «الله أكبر» على مستوى العالم، وهم «الأكثرية» في عالمنا الممتد من المحيط إلى الخليج (تخيّل هذه الكذبة).
تخيّل أن دولنا وحكوماتنا، التي تمتلك الكثير من القوة، لا تنوي استخدامها، ولا تنوي استخدام شعوبها مثلاً، بأن تنزلهم إلى الشارع بمليونيات لا تتوقف، لتعطي إشارة إلى إسرائيل وأميركا والغرب عموماً، بأن خطراً ما قادم، وبأن تغييراً لن يكون لصالح مصالحكم في المنطقة قادم، لتضغط حفاظاً على الكرسي أقلها، فلا تفعل، لماذا؟ لأن هذه الأنظمة وهذه الحكومات جبانة، وما استقواؤهم إلا على شعوبهم، وإسرائيل تعي ذلك جيداً، وتعرف أن هذه الأنظمة العربية والإسلامية أجبن من أن ترفع رأسها في وجه تل أبيب، وأخس من أن تستخدم مواطن قوتها الكثيرة. لذا لا تأسف على حالك في غزة، فالأسف كل الأسف على حال الأمّتين الصغيرتين معنى ومبنى.
أمّا فلسطينياً، فالوضع ليس أحسن حالاً، ولن يكون كذلك، فالطرفان النقيضان الخصمان لم يتفقا رغم كل القتل والموت. فلا أعرف إن قلت إنهما أعداء، هل سيكون التعبير صحيحاً، فالمفترض أنهما إخوة؟ كذلك ما يحدث مع أهلنا في الضفة، في أنحائها كافة، وفي شمالها خاصة، حالياً على الأقل، كارثي بكل ما للكمة من معنى، وهو غزة صامتة بحسب تقديري، ولا سيما أن المطلوب مما يحدث في الضفة وشمالها وقدسها هو ذاته المطلوب من غزة: «تطهير الأرض من أهلها».
أمّا نحن في الخارج، فبلا تمثيل وبلا قيادة (هذه تخصنا نحن الفلسطينيين جميعاً)، وبلا مستقبل واضح، ففي ظل غياب التمثيل والقيادة، يبدو أن أي حكومة عربية لديها لاجئين يمكن أن تتخذ قراراً مصيرياً بحق اللاجئين، فلا يجدون من يبكي عليهم، ولا من يصرخ بصوتهم، هذا مع احتمال أن «القيادات» الموجودة معنية بإنهاء قضيتهم.
عزيزي ثابت أنت وأهل غزة الكرام،
أنت تعلم، أن الشهداء في غزة، وإن كثروا، وصارت أعدادهم أضعاف ما هم عليه اليوم، ولا أحد يعرف بالضبط كم وصل العدد، فما هم سوى إحصاء في أعراف الحكومات، والاجتماعات والمحادثات الثنائية والجماعية، وأحياناً المفاوضات، ففي نتيجة الحدث، الإبادة هنا، هناك مصالح ومكاسب، تحكم الأمور، وتستخدم فيها أرقام الضحايا لتمرير أمر ما، عدا عن ذلك، فكلنا أرقام، وسلع تثمّن قيمتها وفقاً للحظة السياسية الدولية، وموازين القوى.
أخيراً، ستنتهي الحرب بلا شك، ومن غير المعلوم كيف ستنتهي، بتهجير أو ببقاء في الأرض، وحتى ذلك الحين جرّب الحفاظ على نفسك، وجرب أن تكتب أكثر، ليعرف أحبابك أنك بخير.
* صحافي فلسطيني
