معجزة «المناصفة»!

أبرز عنوان سياسي «وطني» في انتخابات البلديات والمختارين، التي تطوي اليوم محطتها الأخيرة، كانت «المناصفة» في المجلس البلدي في العاصمة! حصل ذلك رغم حضور عناوين كبرى ومصيرية سببتها الحرب الوحشية المستمرة في المنطقة: حرب الإبادة في غزة، والتهجير الإرهابي في الضفة الغربية المحتلة، والحرب على سوريا واليمن وإيران، والحرب على لبنان خصوصاً. وهي حروب مستمرة بإشراف ودعم وتغطية من «الوسيط» الأميركي. وقد تجاوز عدد ضحاياها، في لبنان، رغم اتفاق «وقف الأعمال العدائية» بين المقاومة والعدو الصهيوني، قبل حوالى الـ6 أشهر، الـ500 بين شهيد وجريح.
أمّا الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاق فقاربت الـ2800 في كل المناطق اللبنانية تقريباً! المعجزة أنه رغم كل ذلك، ورغم ما عمّقته الحرب من انقسامات وتناقضات، فإن المناصفة الطائفية، في المجلس البلدي في مدينة بيروت، قد شقت طريقها بقوة إلى أن تستأثر بالأولوية من الاهتمام. وهي، في مجرى ذلك، قد استولدت معجزة أخرى: جمع كل الأضداد في لائحة واحدة، رغم أن بعضهم كان قد هدّد وتوعّد كل من يهادن المقاومة، فكيف من يتعاون معها، استناداً إلى نتائج العدوان الإسرائيلي الأميركي المتواصل على المقاومة وعلى لبنان بشكل عام! المقاومة، من جهتها، وجدت في الاستحقاق الانتخابي مناسبة لتفكيك بعض العزل والشيطنة الذي يحاول الطرف الأميركي وأتباعه المحليون تطويق عنقها به، ولتؤكد وفاءها، بل حمايتها، لنظام ومنظومة المحاصصة، في تكرار رتيب لما حصل إبّان أزمة الانهيار المالي والاقتصادي ابتداء من أواخر عام 2019!
ما يمكن أن يُطلق عليه لقب حلف «المناصفة تجمعنا» ليس جديداً. إنه ركن ثابت من أركان الحكم والسلطة والنظام بمكوناتها القديمة والجديدة، منذ «تسوية الطائف» حتى اليوم. حظي هذا الركن، أيضاً، بدعم قوي ومستدام من قبل الرعاة الخارجيين لـ«تسوية الطائف»، وخصوصاً الطرف السوري الذي تولى إدارة البلد ومارس الدور الأساسي والمباشر في تجميد وبتر إصلاحات الدستور المعدّل عند حدود «المناصفة». أدى ذلك إلى تشويه آلية اتخاذ القرار الرسمي، وسهّل وضع اليد عليه وممارسته من قبل الراعي السوري بالدرجة الأولى.
في سياق تأمين «المناصفة»، كاد يغامر المجلس النيابي، بإلحاح من قبل بعض الطائفيين الجدد والقدامى، بالانخراط في محاولة تعديل للدستور مباشرة أو مداورة. وهي محاولة بدت أسهل منالاً من محاولة تطبيق أهم بنوده الإصلاحية التي أُقرت في «تسوية الطائف» لعام 1989، ورحِّلت إلى نصوص الدستور بموجب القانون الدستوري الرقم 18 تاريخ 21/9/1990 بتعاون بين رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص، ورئيس المجلس النيابي الممدَّد له بسبب الحرب الأهلية، السيد حسين الحسيني.
إلى كون الدفاع عن صيغة المحاصصة الطائفية قاعدة لا تقبل الاستثناء خلافاً لما هو سائد من أن لكل قاعدة استثناء، انطوت مسألة المحافظة على «المناصفة» ومحاولة تكريسها في نص مستحدث قانوني أو دستوري، قطع الطريق على ما أُعلن عن أن في جعبة الرئيس نواف سلام مشروعاً، أكثر من كلامي (!) لتطبيق كل إصلاحات «الطائف» المعطَّلة منذ نحو 35 عاماً، وخصوصاً المادة 95 منه. استدعى ذلك همروجة صاخبة عن «المناصفة» في المجلس البلدي لبيروت، ومخاطر سقوطها، ما يستدعي حتمية تكريسها بنص ضمن آلية ملزمة عبر اللوائح المقفلة.
لو سارت الأمور على هذا النحو، لأصبحت مسألة تطبيق المادة 95 (إلغاء الطائفية السياسية) خارج السياق، أو غير ذات موضوع نهائياً! ثم إن مخاطر تعديل الدستور، في المرحلة الراهنة، كانت ستفتح شهية من استشعروا الانتصار بسبب الوصاية الأميركية السعودية الجامحة على لبنان والضربات التي وُجّهت للمقاومة، إلى مستوى تكريس توازنات جديدة في صلب الدستور، وإلا التقسيم أو الكونفدرالية، وما قد يرافق ذلك من نزاعات سياسية وعنفية بالغة الخطورة على وحدة لبنان ووجوده أيضاً.
ضيق الوقت، من جهة، وتهيّب بعض الأطراف، من جهة ثانية، وعدم وجود كتلة صلبة وراء تكريس «المناصفة» بنص دستوري أو إجراء قانوني، من جهة ثالثة، أسباب ولّدت، مرة جديدة، ورغم عمق التباينات، استنفاراً سريعاً للحفاظ على تكريس المناصفة التحاصصية (المهددة!) من قبل كل المشاركين فيها: أصلاء أو طارئين! هكذا تمَّ تشكيل لائحة (بيروت تجمعنا) تمكَّنت فعلاً من القيام بالمهمة لولا استثناء وحيد.
هذا الاستثناء كان بالغ الدلالة لأنه جسَّد اعتراضاً شعبياً صارخاً على استمرار التعسف والإقصاء والمنع الذي مورس ويمارس ضد رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري وتيار «المستقبل»، من قبل قيادة المملكة السعودية. اقترن القرار السعودي، آنذاك، بتشجيع وتحريض معيبين من قبل رأس «السياديين»: قائد ميليشيات «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، ولا يزال استمراره يقترن بصمته المريب حتى الآن (في المناسبة، ماذا عن سلاح «القوات» الذي كانت حادثة الطيونة إحدى محاولاته الفتنوية الأكثر خطورة؟!).
القوى الطائفية العريقة المؤسّسة تواصل تبني مقولة إنه لا معنى للبنان من دون طائفيته وطائفييه! وإنه، بالتداعي، لا معنى للبنان من دون «المناصفة» بعد أن أصبحت، منذ تعديلات «الطائف»، الشكل الجديد لـ«الامتيازات» القديمة، بسبب عدم التوازن الديموغرافي الآخذ في التفاقم سنة بعد سنة. أمّا القوى الأخرى «الجديدة على الكار»، فهي سعيدة بما توفر لها المحاصصةُ من منافع ومكاسب سياسية وإدارية ومالية قد يجري، أيضاً، توارثُها جيلاً بعد جيل، من دون حسيب أو رقيب...
ما زاد في القلق أن الحكومة الحالية كانت تراقب عملية «المناصفة» من موقع المتفرج، وكأن لا وعود أطلقت بشأن تطبيق كل مواد الدستور، ما يعزز الاعتقاد بأن التحاصص مستمر مع إضافة نكهة أميركية كريمة ولمسة سعودية مباركة!
يطرح ذلك، مجدداً، مسألة جوهرية في المسار السياسي اللبناني: هل استفدنا من دروس الماضي؟ هل سنواصل الأخذ، بل التمسك، بكل الأسباب التي أدت في الماضي إلى الانقسام والتحاصص والنهب وغياب المساءلة، والتبعية، بالضرورة، للخارج الغربي خصوصاً.
يستشري هذا الخلل مجدداً في ظل رعاية الوصيَين الجديدين، وفي ظل غياب مُتفاقم للبديل الوطني الحامل لمشروع موحَّد وموحِّد: عبر إقامة نظام سياسي بديل، يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، لا على قاعدة التمييز الطائفي أو المذهبي الذي يستغله فئويو الداخل ومتربصو الخارج!
* كاتب وسياسي لبناني
