ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

وظيفيّة الفكر السياسي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد سيد رصاص
محمد سيد رصاص
الثلاثاء 27 أيار 2025
الخط

إنّ البيئة الاقتصادية-الاجتماعية لمعتنقي عقيدة أو أيديولوجية ما، لا بد من أن تفرض نفسها على معتنقها، ولا يمكن لإنسان أن يؤمن بعقيدة من أجل ذاتها، بل من أجل وظيفيتها في مجتمعه. وبالتالي، فإنّ الحركات السياسية والفكرية لا تقيم عبر مضمون أفكارها بل عبر الدور الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي الذي تقوم به ضمن مكان وزمان معينين. وهذا ما يطرح ضرورة دراسة الدوافع التي تدفع فئة اجتماعية ما، أو فرد ما، إلى اعتناق عقيدة معينة، وخاصة في مجتمعات تختلط فيها الهويات القومية والدينية والطائفية مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فلا يمكن القول إن ماركسياً روسياً، من خلفية يهودية مثل تروتسكي، كان مثل ماركسيين روس آخرين هم من خلفية مختلفة قومياً ودينياً، وذلك في مجتمع مثل روسيا القيصرية حيث كان اليهود يتعرّضون لمذابح من الأكثرية الأرثوذكسية التي تختلط عند الغالبية منها الهوية القومية الروسية مع الديانة المسيحية الأرثوذكسية في قالب واحد. وهذا ما جعل الحركة الصهيونية تلاقي مجالاً اجتماعياً خصباً للنمو في أوائل القرن العشرين عندما شعر اليهود الروس بأنهم «جماعة سياسية»، وليسوا طائفة أو دين، وبالذات بعد مذبحة مدينة كيشينيف عام1903، حيث «الآخر»، من الأكثرية القومية-الدينية، يتعامل مع آخر بوصفه من قوم ودين آخرين ويميزه في التعامل ويستهدفه بالذبح أو بالاضطهاد المتعدّد الأشكال.

وبالتأكيد كانت الخلفية الدينية لتروتسكي قد لوّنت ماركسيته ببعد معادٍ للقومية تتمظهر في نزعة أممية متطرفة وشحنة انفعالية ثورية لا يقتصر توجيهها على الطبقات المسيطرة بل تمتد إلى القومية المسيطرة وإلى الدين المسيطر، نجد مثيلاً لها عند روزا لوكسمبورغ، فيما لا نجد هذا عند لينين أو بوخارين.

في الدولة العثمانية، كان هناك مجتمع مِللي يقوم على إقامة الحدود والعلاقات بين «الملّة الكبرى»، وهي السنّة، وبين «الملل الأخرى» سواء أقليات إسلامية أو أقليات دينية. فهو مجتمع مللي يتحدّد فيه الآخرون كوظيفة سياسية-اقتصادية-اجتماعية-ثقافية عبر علاقتهم السلبية أو الإيجابية بالملّة الحاكمة، وهذا ما كان يخلق وظائف اقتصادية مثل الدور المالي الذي لعبه اليهود والأرمن في الدولة العثمانية، أو يخلق تصادمات وبالذات مع الأقليات الإسلامية. وقد كانت الوحدة الملليّة متخطية للقومية في الدولة العثمانية.

لعبت الرأسمالية الغربية الغازية للشرق دورَ المزعزع للمجتمع المللي العثماني ثم المحطم له عبر الحرب العالمية الأولى التي قادت لانهيار الدولة العثمانية، وإذا كانت العلاقات الاقتصادية-الاجتماعية قائمة على العلاقة بين غيتو كبير وغيتوات صغيرة منعزلة فإنّ هذه الجدران قد تحطّمت مع الغزو الغربي الاقتصادي-العسكري-السياسي والذي قاد إلى دخول الجميع، بما فيه طوائف كانت معزولة ضمن نطاق جغرافي معزول، في إطار اجتماعي واحد بدأ بالتبلور ضمن علاقات اقتصادية جديدة.

إذا كانت العلاقات الاقتصادية - الاجتماعية قائمة على العلاقة بين غيتو كبير وغيتوات صغيرة منعزلة فإنّ هذه الجدران قد تحطّمت مع الغزو الغربي الاقتصادي - العسكري - السياسي


الفكر القومي العروبي أتى على هذه السيرورة، أوّلاً بزمن العثمانيين عند موارنة جبل لبنان وعند متعلّمين من الأكثرية السنّية الذين تحسسوا من النزعة التتريكية عند جماعة «الاتحاد والترقي» التي انفردت بالسلطة عام 1909 بعد خلع السلطان عبدالحميد الذي كان ينادي بفكرة الجامعة الإسلامية، وثانياً بمرحلة ما بعد العثمانيين عندما صار الفكر العروبي أداة للكفاح السياسي ضد المستعمر الفرنسي والبريطاني في العراق وسوريا وضد الحركة الصهيونية في فلسطين. فالعروبة كانت قاطرة تريد إيصال المجتمعات إلى ما بعد المجتمع المللي، سواء كانت ممزوجة بالعلمانية، كما عند قسطنطين زريق، أو فيها مزج بين العروبة والإسلام كما عند ميشيل عفلق الذي اعتبر الإسلام روحاً للجسد ممثّلاً في العروبة.

في المدن، بعد أن قطع التطوّر الرأسمالي أشواطاً بعيدة، كانت آليات الاندماج الاجتماعي والتموضع ضمن طبقات، ممّا يتجاوز التحديدات الطائفية والدينية، مساعدة على تحرّر الميول الفكرية السياسية (الأيديولوجيات) من العوامل الطائفية والدينية إلى حد أكبر من الطوائف التي كانت في مناطق منعزلة جعرافياً في الريف حتى وهي تدخل في أيديولوجيات حديثة سواء كانت قومية عروبية أو ماركسية.

ويمكن التعميم بأن ما يحمله ابن الأقليات الدينية أو الطائفية إلى الأيديولوجيات الحديثة من محمولات بيئته يكون أكبر من ابن الأكثرية الذي عندما يأتي إلى الأيديولوجية الحديثة فإن هذا يكون ناتجاً من صدام مع بيئته وهو ما لا يحصل عند ابن الأقليات، ولا يعني هذا أن التحديدات الطائفية لا يكون لها دور عند الأكثرية في تشكيل الوعي السياسي عند حجم يكبر أو يصغر منها، إلا أن هذا لا يحصل إلا عندما تفقد الأكثرية السلطة لمصلحة أقلية ما، أو عندما تستردّها.

فالعروبة كأيديولوجية، وكذلك الماركسية، هما في إطار متجاوز للتحديد الديني الذي كان يقوم زمن العثمانيين على دور لدين محدّد، مثل الحال الذي كان زمن الثورة الفرنسية عندما كانت النزعة اللادينية، سواء أكانت إلحادية أم علمانية، موجهةً عملياً ضدّ مكانة الكاثوليكية في المجتمع ودولة آل بوربون، وليس ضد كل دين، بل ضد دين الأكثرية. وهذا ما كان يجعل إلحادية أو علمانية ابن الأقليات الفرنسي، سواء أكان يهودياً أم بروتستانتياً، تختلف عما هو موجود عند نظيرهما الفرنسي من الكاثوليك.

هذا الوضع هو شبيه عند العرب. فالنزعات العلمانية، وكذلك اللادينية، عند أبناء الأكثرية، قائمة أساساً ونابعة من عملية التصادم مع دين الأكثرية، والذي غالباً ما يكون ذا نزعة تمامية، تقبله كلّه أو لا، وهذا ما يجعلهم أكثر تحرّراً من الموروث الديني تجاه دينهم وكل دين آخر، بالقياس لابن الأقليات الذي تكون لادينيّته أو علمانيته موجّهة أساساً ضدّ دين الأكثرية، حصراً أو أساساً.

كتكثيف: كل ما سبق هو في مجتمعات تعيش حالة اللااندماج المجتمعي، مثل الدولة العثمانية والدولة الروسية القيصرية، وكذلك فرنسا ما قبل ثورة 1789، وأيضاً حالة مجتمعات مثل العراقي والسوري فيها حالة من أزمة تخلخل الاندماج بعد حكم البعثيين في بغداد ودمشق. في الحالة الفرنسية بعد أن حلّت مسألة اللااندماج باتجاه اندماجي أصبحت التحديدات الطبقية هي الأساس في السياسة، بينما ذهبت بغداد ودمشق البعثيتان بالعراقيين والسوريين إلى حالتين نجد فيهما إسلاميين في سدّة السلطة، بمجتمعين كانا قبل حكم «البعث» يعيش فيهما الإسلاميون حالة من الضعف السياسي أمام الشيوعيين والعروبيين، وذلك بعد أن دفع البعثيون بغالبية من أبناء الأكثريتين الشيعية العراقية والسنّية السورية للارتماء بحضن الإسلاميين بعد أن انفجرت بالبلدين عملية تخلخل الاندماج المجتمعي الذي بدأ بمرحلة ما بعد العثمانيين في التشكّل ثم خلخله البعثيون في العراق وسوريا.

* كاتب سوري

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك