ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

السلطة وتوليد الغموض

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد فضل الله
محمد فضل الله
الأربعاء 4 حزيران 2025
الخط

تَطرح جوديث باتلر في "مَنْ هو الخائف من الجندر؟" فكرة مثيرة للاهتمام، وهي أن مفهوماً مثل الجندر يجب أن يبقى ضبابياً لا تعريف واضحاً له من أجل جعل المقاومة أكثر فعالية والسلطة أكثر ارتباكاً (حين تواجه مفهوماً غير واضح المعالم)، يجب أن يقاوم مفهوم الجندر التعريفَ ليبقى فعالاً في مواجهة السلطة. لكن ماذا لو كان العكس هو الصحيح؟ إن السلطة تَطرح مفهوماً ما (تشكّله) وتوكل مهمة تعريفه إلى عدة مؤسسات معرفية ذات سلطة، بحيث يكون التعريف متناقضاً وتقوم السلطة بإدارة هذا التناقض والاستثمار فيه وتتكفّل بتكثيره، بالدرجة الأولى من أجل إرباك شعوب الأطراف.

الشعوب في الأطراف ومقاوماتها هي التي تحتاج إلى "الوضوح" وليس العكس، ومن هنا فإن مجيء دونالد ترامب هو مصدر راحة لنا: الإمبريالية والفاشية والعنصرية في حالته تتبدّى بشكل واضح، هو لا يسعى أصلاً إلى زعْم أنه ليس كذلك، على عكس الإدارات الأميركية السابقة حيث كان علينا بذْل جهود هائلة لإيضاح حقيقة الإمبريالية وكيف تؤثر على حياتنا ومعاشنا اليومي (وفي معظم الأحيان تَفشل هذه الجهود). بالنسبة إلينا، نحن شعوب الأطراف، الوضوح ثروة (asset). طبعاً، توليد الإمبريالية للغموض لا يَعني أنها لا تَجمع داتا دقيقة عن كل فرد فينا، بل قدرتها على إدارته بحيث تزيد من سلطتها.

هناك في المؤسسة الأكاديمية في الولايات المتحدة أقسام معرفية مختلفة تُنتِج تعريفات متناقضة، بحيث أنه بمجرد أن تَعترض على تعريفٍ ما ستتصدّى لك المؤسسة الأخرى وتتهمك بأنك تتحدث خارج السياق "العلمي" أو "المنهجي"؛ ففي حين أن قسم الأدب في الولايات المتحدة يَعتبر الجنسانية إنشاءات، فإن أقسام أخرى أكاديمية مثل البيولوجيا وحتى الفلسفة التحليلية تَعتبرها صفات تُكتشَف، "وُلِد على هذه الحال"، وبعضهم يَذهب إلى البحث عن جينات خاصة بالتوجه الجنسي (إحدى الإعلاميات تقول إنها فوجئتْ بأن ألغوريثمات السوشال ميديا اكتَشفتْ أنها مثلية قبل أن تَكتشِف هي نفسها هذه الحقيقة، الموجودة في الخارج لتُكتشَف).

هذا التناقض ليس أزمة يجب أن يتمّ تجاوزها، أو دليلاً على الحاجة إلى تواصل أقسامي (interdisciplinarity) أكثر، بل هو في صلب عمل السلطة وآلياتها، أي عكس ما تَذهب إليه باتلر؛ السلطة توزّع إنتاج المعرفة ذات السلطة على مؤسسات مختلفة بحيث تُنتِج أطروحات متناقضة تَجعل من ضحاياها في الأطراف أكثر تشوّشاً (العبارة المستخدمَة "gaslighting" يمكن تطويرها إلى المستوى السياسي).

اعتدنا على فكرة أن السلطة تَفرض سرديتها على موضوعاتها في الأطراف (الرابط بين السلطة والمعنى وأن المقاومة هي فعلٌ من خارج أرثوذكسية المعنى)، وفكرة أن المقاومة هي ركن الغموض وتترعرع في الزوايا غير الواضحة كي تتمكّن من الانطلاق بعيداً عن الرقابة، لكن في الكثير من الأحيان الأمر لا يتعلق بسردية ما بقدر ما هي فرض اللايقين ومضاعفة القدرة على التملُّص من أي محاججة مقاوِمة، حرمانها من مشروعيتها الفكرية، وحرمان أفراد الأطراف من أرضٍ مفهومية صلبة (تصلّبتْ لسببٍ ما) هم بحاجة إليها كي يقاوموا.

الأمر لا يَقتصر على الجنسانية، فخلال الأشهر الماضية رأينا كيف أن مفهوم "اليهودية" يُراد له في الولايات المتحدة أن يبقى ضبابياً، متعذراً على التعريف، تارةً تُستخدَم عبارة "اليهودية" للدلالة على دين ("إسرائيل هي الدولة اليهودية الوحيدة في العالم")، وطوراً للدلالة على مجموعة إثنية، وطوراً آخر إلى أصل نصف-إثني بحيث يَنتمي إليه كل ما يُسمى بطريقة ما "الغرب". الخوض في نقاش تعريف اليهودية لا معنى له، ما علينا فعله هو تحليل استخدام هذا المفهوم في كل مؤسسة معرفية على حدة، واكتشاف كيف أن تناقض التعريفات استَثمرتْه الإمبريالية لرفْع الشرعية عن مقاومتها.

وإنْ كنت أميل إلى فكرة أن التناقض في المقولات هو مشروع السلطة، استثمارها المركزي، فذلك لا يَعني بالضرورة أن الوضوح هو "حقيقة موجودة في الخارج تَنتظرك لتَكتشفها"، أو أن الوضوح بمعناه الذي عرفناه في المذهب الأنغلو-تحليلي يجب أن يكون مشروع المقاومة. لكن المشكلة أن هناك أدبيات كاملة قائمة على "كشْف" التناقضات كما لو أنها اكتشافات قيّمة: هذه التناقضات هي بالضبط ما تريده السلطة، أنتَ لا تَرفع الشرعية عن السلطة بكشْف تناقض و"تهافت" مقولاتها.

ما يقوّض سطوة السلطة هو أن تَكشف عن الخارطة المؤسساتية لتوزُّع مقولاتها (وبالتالي طرْح إمكانية إعادة تشكيل شبكة العلاقات بين مؤسسات إنتاج المعرفة ذات السلطة) وليس مجرد القول بأنها تقول أشياء متناقضة أو اتهامها بـ"النفاق"، وهو الاتهام الأسوأ على الإطلاق، للأسف شهدناه بكثافة مقلقة خلال حرب الإبادة التي لا تزال فصولها قائمة. بدل أن تَستخرج فيديوهات مقارنة حول الكيفية التي تحدّث بها المسؤول الأميركي الفلاني عن أطفال غزة وفي المقابل الكيفية التي تحدّث بها عن أطفال أوكرانيا، عليك أن تحلّل كيف تمّ توزيع إنتاج المعرفة عن هذين الإقليمَين ضمن الأقسام الأكاديمية في الجامعة الأميركية، بعيداً عن مفهوم النفاق.

هل جوديث باتلر هي جزء من العملية المؤسساتية التي تشكّل المفهوم ومن ثم تدير تناقضاته في الولايات المتحدة (أي أنها شريكة بمقولاتها هذه ليس بإيضاح الصراع بل بإضافة الغموض عليه)؟ أعتقد أن باتلر هي آخر ما تبقّى من دفاع عن قسم الأدب ومنهجياته في نقد السلطة التي يُراد سحقها، وهي في دفاعها عن قِسمها تدلّنا مواربةً على مكمن الضعف "المسكوت عنه" في هيكل الإمبريالية، بمعنى أنه قد تكون محاججاتها في كتابها الأخير هو بالضبط عكس ما يُفهَم منه.

* باحث

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك