ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«الضحايا المثاليّون»: محمد الكرد يكتب... تحت ظلال البنادق

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
موسى السادة
موسى السادة
الخميس 5 حزيران 2025
«الضحايا المثاليّون»: محمد الكرد يكتب...  تحت ظلال البنادق
الخط

لم تحظَ فكرةٌ سياسية، لا سيما استعمارية منها، بقوّة أيديولوجية كما حظيت الصهيونية. هي، بلا شك، أكثر فكرة وسرديّة ذُخّرتا في العصر الحديث. فقد سخّر الغرب كل فائض القوّة التاريخي الذي راكمه لقرون عدة، كرافعة لها. شبّه أحدهم هذه الهوّة في القوّة الأيديولوجية بالفارق بين جسد طفلة في غزة وهدير طائرة F16 تحوم من فوقها. المفارقة أنّ الصهيونية في ذاتها من التهافت على درجة تجعل رفعها محتاجاً إلى هذا الزخم والقدر من القوّة للملمة تساقط بنائها المنطقي والتاريخي والعلمي. ولذلك علينا الجزم أنه لم يكن أن تقوم لها قائمة ووجود في التاريخ سوى بين نهاية القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين، أكثر لحظات التاريخ الإنساني استقطاباً للقوة لمصلحة قطب، لمصلحة الأوروبيين في أوروبا وأميركا.

المسألة أنّ هذا الثقل الهائل جثا على صدر العرب والفلسطينيين، كنّا ولا نزال مركزه، وهو ما أدخلنا في أزمات فكرية كثيرة، وفي حيرة من أين نبدأ وكيف لنا فهمه وتفكيكه وتوليد قوّة في الاتجاه المعاكس. ما هو السبيل للتعامل مع هذه القوة القاهرة التي يصهر قطع تهافتها الحديد والنار. لم نكن في هذه المعضلة لوحدنا بطبيعة الحال، كان هذا التساؤل هو ذاته مسار فرض استحقاق أمم الجنوب العالمي إنسانيتها وقيمة حياتها أمام الأمم البيضاء. نراه اليوم بوضوح في الخطاب الغربي، في المعادلة بين إيقاف «المأساة» والإفراج عن «الرهائن»، فهذا وزننا في العالم أمام البيض: واحد/عشرة آلاف شهيد وشهيدة، على أقل تقدير.

إلا أننا وصلنا في نهاية المطاف، أو وصلت كتلة منّا، أفقرنا مادةً وأقربنا لهدى السبيل وأكثرنا تضحية، إلى أنه لا يفلّ الحديد إلا الحديد. بينما تعدّدت ردّات فعل أخرى متفاوتة على حجم ذلك الثقل، خصوصاً على أوهن الفئات وأجبنها، من إعلاميين ومثقفين وأكاديميين، عبر تلك المحاولات البائسة للاستعطاف، اللعب ضمن التسليم الذليل بموازين القوى ذاتها. فترانا نبحث بلهفة مثيرة للشفقة ونحن نشعر بغضب واستفزاز حجم تهافت الخطاب الصهيوني ونحن نشاهدهم في المناظرات الإعلامية؛ عن ذلك الشعور الفارغ بتسديد ضربة أو فتح ثغرة مفتوحة بالأصل ولكن لن يراها أحد. أضاع هؤلاء الكثير من الوقت، بل، كما أخبرنا كنفاني منذ عقود، أنّ الدخول في تلك الحلبة خطأ أساسي في المعركة.

مثّل كتاب «الضحايا المثاليّون» للكاتب الفلسطيني محمد الكرد، وبجدارة، عودةَ ذلك المنتج الثقافي القائم بذاته

اليوم، وأنت ترى طوفان تسجيل النقاط الإعلامية وانكشاف ركاكة الخطاب الصهيوني بشكل غير مسبوق، تذكّر دائماً أنّ جذر ذلك يعود للحظة التي أطلق فيها فتى شاب لم يغادر جدران مخيّم ولم يرَ العالم الذي تراه، قذيفةً على بدن دبابة ميركافا فاشتعلت، فهو، وفي تلك اللحظة تحديداً، أصاب ميزان القوة فهزّ كتفه، فمكّنكَ اليوم من سطوة خطابيّة على بعد آلاف الأميال.

هكذا يتضافر ميدان المقاومة مع ميدان الثقافة. نعم، أنجزنا منتجات ثقافية مهمّة، ولكن لم يكن لها لتكون سوى لأنها في ظلال البنادق. كان مؤلَّف «الاستشراق» اختراقاً مهمّاً، وكذلك مؤلّفات فرانز فانون، ولكن كلّها تعود إلى القرن الماضي، ولم تكن هوّة الغياب هذه اعتباطية، بل على علاقة مباشرة بضمور التحرّر المسلّح نفسه، بخبوت ظلّه، منذ بداية القرن الحادي والعشرين. إلا أنه ومع عودته كان من الطبيعي بروز مؤلَّف يتمكّن من جديد من نحت تلك القوّة الأيديولوجية الجبّارة بمطرقة صغيرة، في استعادة جديدة لدور الكتاب كأكثر أدوات الثقافة المضادة فعالية.

مع اختلاف في الأسلوبية، بل وفي توليف مبتدع بين الأساليب، ولغة أبعد ما تكون عن الجافة، مثّل كتاب «الضحايا المثاليّون» للكاتب الفلسطيني محمد الكرد، وبجدارة، عودةَ ذلك المنتج الثقافي القائم بذاته. ولا يغيب أنّ المدة التي أعدّ فيها الكرد الكتاب كانت خلال الإبادة، أي لم تكن فقط ضمن السمة العامّة للجنوح إلى الجمود والشلل عن الفعل، والحيرة في أي جوانب تهافت المنطق المستفز للصهاينة علينا أن نبدأ، والذي تمتدّ الإجابة الطبيعية عنه من الصراخ العدمي إلى إطلاق النار.

نجح الكرد في الكتابة في أكثر لحظات الثقل النفسي تكثّفاً. لا يغيب شعور الغضب والقهر، بل والحزن، عنك وأنت تقرأ. وتقول في نفسك يا إلهي ما أتفه الذي نحاول قوله وشرحه، إنه من البديهيات. إلا أنّ الكاتب نجح في المسير بنا في رحلة وجولة بين الفصول، نستشري عبرها غضباً من نوع مختلف، غضباً محفّزاً، لا ذاك الذليل لتسجيل النقاط في وجه القوّة الأيدلوجية الصهيونية على قناة غربية أو على قناة «الجزيرة» وهي تستضيف «الرأي الآخر» للعدوّ. ومع تقليب الصفحات، تجد الإجابة عن سبب ذلك وهي أمامك، والتي تكمن في ذلك التعالي والاعتداد بالذات الشامخ عبر كلمات النص.

في حين تطغى على الردود السائدة على الصهيونية سابقة استبطان في الوعي بقوّتها المفترضة وتموضع مستسلم نحن الأضعف فيه، فإنّ كتاب الكرد يتعامل معها بحجمها الحقيقي التافه، متحرّراً من زيف ميزان القوى؛ فتراها عارية، وضيعة حقيرة، كما هي. وكأن النص مزيج من الغضب والاحتقار في تعامل أشبه بمخبريّ مع فئران تجارب يدعون بالصهاينة. إذ قلب النصّ الإطار السائد السابق، في موقعنا من توليد ردود على الخطاب الصهيوني، وبدلاً من ذاتك، نطق بشكل مستقل قائم بذاته بلسان وعي وتجارب كان الكرد ضليعاً في خوضها، ولكثير منا نصيب شبيه منها. وبين كل عدة أسطر، استعرض خطاب الصهاينة كردّ فعل على أصل وأساس نحن نمثّلهما، كاشفاً أنّ كل وجوده ومنطقه وفعله هو سعار لفئران في مخبرنا نحن.

هذا الكتاب، يمثّل ولا شك أهمّية كبرى، وإن كان أقرب في لغته إلى سياق جبهة الصراع العالمي لدى الناطقين باللغة الإنكليزية منه إلى سياقنا العربي، إلا أنه تتداخل فيه العناصر الثقافية العربية بشكل فاقع في النص، وهذا أكيد وطبيعي؛ فلو ركّزنا قليلاً نجد أنّ التعملق على الصهيونية يظهر في أزهى صوره عربياً في أدبياتنا الشعبية ودعاء الأمهات والحجّات وحديثهن. وكلّما زادت أكاديمية زادت ذلاً ووضاعة. تكمن أهمية الكتاب والحاجة إلى ترجمته، في ذلك التموضع الذي يتموضعه أمام قوّة الأيديولوجية الصهيونية، ولعكسه ميزان القوّة ما بعد «الطوفان». فلعل رسالته الأساسية أنه في واقع الأمر لا يحتاج سدّ الفجوة في القوّة مع الصهيونية سوى إلى قليل من الكرامة والاعتداد بالذات، والتي ما إن تملّكها عربي أو إنسان، وسخّر لها قلماً أو بندقية، اكتشف وبسرعة ما أخبرنا به محمود العارضة أن هذا الوحش وهم من غبار.
* كاتب عربي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك