على بالي

ليس الأمرُ بالجديد. لكلّ زعيم طائفي سياسةٌ خارجيّةٌ مستقلّةٌ به، ولكلّ زعيم ديني سياسةٌ خارجيّةٌ تابعةٌ لأقوى زعيم سياسي في طائفته. البطريرك وحده فوق الزعماء من حيث النفوذ واجتراح سياسات خارجيّة خاصّة به. في زمن شمعون القوي، كان البطريرك معوشي معارضاً له. البطريركيّة المارونيّة، منذ التأسيس، هي دولة في داخل الدولة. الحُكم السياسي الماروني قبل الحرب اعترف بهذا الحقّ للبطريركيّة لأنّه موروث من المُستعمِر. العلاقة بين البطريركيّة والحركة الصهيونيّة سبقت سَنة النكبة. وقّعت الحركة الصهيونيّة والبطريركيّة اتّفاق تحالف في عام 1946. لم تُفرِج البطريركيّة عن نصّ الاتفاقيّة ولم تعترف بها، لكنّها وصلتنا من الأرشيف الإسرائيلي. لا نحتاج إلى أرشيف لندرك كم أنّ البطريركيّة كانت متفاهمة ضِمناً مع العدوّ. وحده البطريرك خريش شذَّ عن هذا المسار، ومن أجل ذلك حورب وهُمِّشَ وكاد أن يُقتَل من قِبل القوّات اللّبنانيّة في الحرب (هو أقام في فلسطين وشاهد النكبة وشغل منصب نائب رئيس اللّجنة البابويّة لإغاثة نازحي فلسطين، وقام بالمهمّة على أكمل وجه). خلافاً له، مطران بيروت أغناطيوس مبارك جاهرَ (كما إميل إدّه) بالصهيونيّة وقدّم شهادات إسناد لها. البطريركيّة حمَته وأرجعته إلى لبنان مُكرَّماً بعد أن أدّى الضغطُ الشعبي إلى ترحيله مؤقّتاً عن لبنان. البطريركية كان يجب أن تتعرّض لمساءلة بعد نهاية الحرب. رئيس الرهبانيات المارونيّة كان يزور فلسطين المحتلّة بصورة دائمة قبل الحرب (وكان زائراً لها يوم وقعت الواقعة في عين الرمّانة في 1975). تفقُّدُ الرعيّة في فلسطين حُجّة واهية من الذين يتفقّدون رعيّة الجنوب بصورة أقلّ انتظاماً. مناسبة هذا الكلام عِظة البطريرك الراعي الأحد الماضي والتي قال فيها: «فنرجو أن تسْلَم الأوضاع في كلٍّ من إسرائيل ولبنان، ويعيشا بسلام وفقاً لهدنة 1949». الراعي يقول ذلك في خضمّ حرب إبادة جارية في فلسطين، وبعد نهاية العدوان الإسرائيلي على لبنان. والراعي تحدّى القانون اللّبناني وزار فلسطين في 2014 بتنسيق مع حكومة العدوّ. كيف يمكن ألّا يَعُدّه كلُّ جنوبي، وكلُّ وطني لبناني، عدوّاً له إلى «يوم الدين» (بلُغة الأديان)؟
