على بالي

بعدما تفكّكَ آخرُ نظام بعثي، وجدتُني أفكّرُ في مصير ميشال عفلق في كتابة تاريخ المنطقة المعاصر: كيف أدّت أفكارُ الرجل وكتاباتُه إلى إنشاء نظامَيْن استبداديَّيْن في سوريا والعراق. هناك نقاشات مستمرّة حول مسؤوليّة الرجل. كنعان مكيّة في كتابه «جمهوريّة الخوف» «وجدها»، على طريقة أرخميدس. عثرَ على جملة في مقالة لعفلق تبيّنَت فيها معالم الجمهوريّة العراقيّة التي أنشأها صدّام حسين. هناك جِدال مماثل حول مسؤوليّة لينين عن الجمهوريّة الاشتراكيّة التي أسّسها بعده ستالين وارتكب فيها جرائم ضدّ الخصوم، العقائديّين والشخصيّين. لكنّ عفلق حالةٌ أخرى. لينين اختلف مع ستالين في حياته (والأخير أهانَ زوجته في اتّصال هاتفي)، وكان المرض قد أعاق لينين في آخر أيّامه. ميشال عفلق اختار جناح صدّام حسين على جناح حافظ الأسد وصلاح جديد. صعود صدّام حسين يدين لعفلق وتزكيته له عندما كان الرجل حزبيّاً مُطيعاً ونشيطاً. لكنّ عفلق لم يكتب أو يتدخّل في إنشاء النظام أو في صنْع سياساته. هو ارتضى أن يعيش في مكتب فخم في مبنى فخم مع لقب فخم، لكنْ من دون صلاحيات أو سلطة. لم يكن عفلق يُستشار، لا في شؤون الدولة ولا في شؤون الحزب. لكنّ دراسة حزب «البعث» في تاريخ العالم العربي المعاصر ضرورية، وقد أسهم في ذلك كمال خلف الطويل في كتابه الأخير القيّم. والحزب القومي العربي الذي قرّرَ أن ينافسَ عبد الناصر، ويزايد عليه فيما كان يخوض أقسى نضال ضدّ الصهيونيّة والاستعمار الغربي وقوى الرجعيّة العربيّة التي تبنّت مشروع الانفصال والتجزئة، يثير الشبهات ولا يُوحي بالثقة أبداً. عفلق نأى بنفسه عن الجناح السوري (أو الأسدي) لـ «البعث»، لكنّه اختار بدلاً منه جناحاً لا يقلّ وحشيّةً. انتهى حزب «البعث» وهو انتهى يوم أُعدِم صدّام. حتى ابن حافظ لم يكن يأخذ الحزب والعقيدة على محمل الجدّ، وبدا منجذباً إلى الهوية المشرقيّة أو السوريّة (فيما كان يضيّق في السنوات الأخيرة على الحزب القومي). لن يحنّ أحدٌ إلى حزب «البعث» بعد رحيله عن السلطة. السلطة في يديه كانت كارثيّة مدمّرة.
