ملاحظات على العلاقات السوريّة - اللّبنانيّة في عهد الحُكم الأَسَدي

من السّهولة أنْ نفترض اليوم أنّ العلاقات اللّبنانيّة - السوريّة ستشهد دِفئاً وتفاهماً لم تشهده من قبل بسبب سقوط النظام السوري. إنّ مراجعة تاريخ لبنان المعاصر تكفي لتبديد الأوهام حول سهولة هذه العلاقات في ظلّ النظام الجديد. كلّ مراحل التاريخ المعاصر شهدت توتّرات ومشكلات بين البلدَيْن، وخصوصاً قبل النكبة وبعدها؛ لأنّ لبنان كان الأقلّ التزاماً بين كلّ الدول العربيّة باتفاقات الجامعة العربيّة خصوصاً تلك التي تتعلّق بالعمل العربي المشترك (ومذكّرات خالد العظم مليئة بالخلافات بين لبنان وسوريا). لبنان، على عكس ما افترض الميثاق الوطني، كان في معظم سنوات الجمهوريّة قبل الحرب، متآمراً ضدّ الدول العربيّة ومشاركاً في مؤامرات الغرب، ضدّ مصر وسوريا والمقاومة الفلسطينيّة بصورة خاصّة. وفي عام 1948، تملّص فؤاد شهاب (بموافقة بشارة الخوري) من الخطّة العسكريّة للدول العربيّة لمواجهة الخطر الصهيوني. وفي أوّل لقاء للجنة الهدنة سُجِّلت ثلاث ظواهر: 1) أعضاء اللّجنة اللبنانيّة يقولون للإسرائيليّين إنّهم ليسوا عرباً. 2) تنصّلوا من سوريا ومن دور لبنان المفترَض في حمايتها في الخطّة. 3) طلبوا الحديث خارج محضر الاجتماع كي «يأخذوا راحتهم في الحديث». ذُهل أعضاء الوفد الإسرائيلي.
لكنّ عهد حافظ الأسد شهد تغييرات كبيرة في العلاقات، والحرب الأهليّة فتحت شهيّة الأسد للسيطرة على مقدّرات لبنان. ومن سِمات العلاقات في حقبة حافظ وبشّار الأسد الآتي:
أوّلاً، اتّخذ الصراع بين البعثَيْن لبنان ساحة صراع دمويّة. كان الكثير من قادة البعث يقطنون في لبنان (حتى ميشال عفلق في مراحل) وكان التخطيط للأعمال التآمريّة ينطلق من لبنان ضدّ سوريا بسبب سهولة العمل السياسي فيه مقارنةً بالدول العربيّة المُغلقة. وينسى الجيل الحالي أنّ حزب البعث الموالي للعراق كان من ضحايا نفوذ النظام السوري في لبنان. أزعجَ حافظ الأسد أنّ الجناح العراقي كان الأكثر شعبيّة ونجاحاً في استقطاب التلاميذ والمعلّمين والمثقّفين في لبنان. يندر أنْ تذكُرَ اسماً من الكُتّاب والمثقّفين في الجناح الموالي للأسد في لبنان. الكثير من قادة البعث العراقي (بمَن فيهم الشاعر والقائد النشط، موسى شعيب) تعرّضوا للاغتيال في لبنان. وتعرّضت مكاتب إعلام البعث في لبنان للاعتداءات، وخصوصاً جريدة «المحرّر» التي كانت تتعرّض لنسف بالديناميت والـ«تي إن تي» بصورة منتظمة قبل أن تستقرّ القوات السوريّة في بيروت في عام 1977. عندها اقتحمت قوّة من عشرات الجنود والضباط من الجيش السوري، معزّزة بالدبابات، مكاتب «المحرّر» في رأس النبع وقتلَت مَن قتلَت وأحرقَتها ومنعَتها من الصدور. عندها انتقل الناشر إلى باريس حيث أسّس «الوطن العربي» التي بقيت على ولائها للنظام العراقي حتى عام 1990 عندما اشتراها خالد بن سلطان كي تؤيّد الحرب الأميركيّة ضدّ صدّام. وكانت مكاتب المجلّة في باريس قد تعرّضت لتفجير من قِبل النظام السوري في نيسان 1982. لبنان بإعلامه وبمقاوماته أزعج النظام السوري الذي لم يُرِد مزايدةً على مواقفه نحو إسرائيل، ولم يُرد أن يُجرّ أو يُورّط في مواجهة مع إسرائيل.
هذه هي حصراً مشكلة رفيق الحريري وجنبلاط مع نظام بشّار: كان نظام حافظ الأسد أكثر تسلّطاً وتجبّراً لكنّ الحريري عرف كيف ينال مقصده بالرشوة
الحروب بين البعثَيْن لم تتوقّف، لكنّ النظام السوري كان الأنشط في الاغتيالات. لم يعترف حافظ الأسد (مثله مثل صدّام في هذه) بحدود في مطاردة المنشقّين عن النظام. اغتال النظام السوري اللّواء محمد عمران في طرابلس في آذار 1972. وتوصّل التحقيق إلى معرفة أسماء الأشخاص المسؤولين في سوريا عن الاغتيال، لكنّ سليمان فرنجيّة قرّر أن يغضّ النظر. وعندما فشل النظام السوري في منافسة حزب البعث الموالي للعراق، وأن يجعل من فرعه للبعث هو النافذ في لبنان، قرّر ببساطة أن يمنعه عن العمل بالقوّة. اضطرّ مسؤولو البعث الموالي للعراق إلى الانتقال إلى بيروت الشرقيّة هرباً من سطوة النظام السوري (كان عبد المجيد الرافعي، أمين سرّ حزب البعث في لبنان يقيم خارج لبنان في معظم سنوات الحرب). وفشل حزب البعث بقيادة حافظ الأسد في جذْب المثقّفين أو الكُتّاب التاريخيّين، فأصرّ على إخضاعهم بالقوّة أو على قتْلهم. حتى ملكيّة جريدة «الراية»، التي ظلّت على ولائها لصلاح جديد، أصبحت قضيّة القضايا. أراد حافظ الأسد مصادرتها في عام 1972 فلمّا تمنّع كُتّابها عن الالتحاق لجأ إلى التهديد والقوّة. وهذه القضايا كانت من جملة التوتّرات في عام 1972 عندما منعت السلطات السوريّة طائرة صائب سلام من الهبوط في طريقه إلى رحلة صيد. كما منعَت صبري حمادة من المرور في سوريا بعد خِتام زيارة له لتركيا.
والصراع بين البعثَيْن أثّر في علاقة النظام بالحركة الوطنيّة. لم يتقبّل النظام منذ البداية النفوذ الذي تمتّع به الفرع العراقي من البعث في لبنان في قيادة الحركة الوطنيّة. وأراد أن يفرض بالقوّة فرعَه من البعث، وكان قادة الحركة ينظرون بالكثير من الريبة لوجود هذا الفرع في اجتماعات قيادة الحركة (في انتخابات 1972 برز نفوذ البعث الموالي للعراق عبر نجاح عبد المجيد الرافعي وعلي الخليل في الانتخابات النيابيّة رغم تدخّل السلطة ضدّهما، كما أنّ موسى شعيب كان ذا شعبيّة لا يُستهان بها في الجنوب. لم يبرز شعبيّاً أيٌّ من قادة البعث السوري.
ثانياً، العلاقة الشخصيّة حكمت العلاقة بين البلدَين. لَطّف من العلاقة بين البلدَين في السبعينيّات العلاقة العائليّة بين بيت الأسد وبيت فرنجيّة من زمن مجزرة مزيارة ولجوء سليمان فرنجيّة إلى سوريا. العلاقة تطوّرت أكثر في زمن طوني فرنجيّة الذي أصبح صديقاً مقرّباً وشريكاً في البزنس مع رفعت الأسد. أصبح رفعت الأسد يدخل إلى لبنان عبر المعابر غير الشرعيّة، ونشر بسرعة نفوذه وسطوته وظُلمه عبر ميليشياته التي كانت الأكثر وحشيّة. وهي التي كانت وراء خطف ميشال أبو جودة قبل الحرب الأهليّة (وتدخّل كمال جنبلاط شخصيّاً مع حافظ الأسد لإطلاق سراح أبو جودة). لم يؤمِن حافظ الأسد (وابنه مِن بِعده) ببناء علاقة مؤسّسات مع لبنان، بل كانت علاقة مع أشخاص (كما أنّ لبنان كان يفضّل علاقة الأشخاص على علاقة المؤسّسات، وكان لرئيس الجمهوريّة مستشارون يتواصلون مع السفارة الأميركية من وراء ظهر وزير الخارجيّة، بحسب الوثاق الأميركيّة).
الأسد كان يتحالف مع رئيس الوزراء إذا كان من اختياره هو. وقد اختار النظام السوري كلّ رؤساء الحكومة بين سنوات 1975 حتى الطائف باستثناء شفيق الوزّان الذي كان من اختيار الكتائب اللّبنانية لضعف شخصيّته وسهولة إقناعه بالوسائل غير الفكريّة. والياس سركيس ورينيه معوض والياس الهراوي وإميل لحّود كانوا من اختيار حافظ الأسد شخصيّاً (من المفارقة أنّ ابن ميشال معوّض يضع نفسه اليوم في صفّ هؤلاء الذين تعرّضت عائلاتهم للقتل من قبل النظام السوري، فيما لم يكن رينيه معوّض ليحلم بالرئاسة لو أنّ حافظ الأسد لم ينصّبه رئيساً).
ثالثاً، لا شكّ في أنّ لبنان كان مقرّاً وممرّاً للمؤامرات ضدّ النظام السوري، وكان ذلك بحُكم العلاقة القويّة بين رؤساء لبنان ودول الغرب والخليج. كان لبنان يستضيف معظم أجنحة المعارضة السوريّة، وكان يسمح لهم بالعمل السياسي منه (من المرجّح أنّ المسؤولين اللّبنانيّين كانوا يقبضون من الغرب والخليج لرعايتهم لمعارضات للجمهوريّات العربيّة). الحُكم في لبنان كان يتذرّع بطبيعة لبنان الديموقراطيّة، لكن هذا القول مردود لأنّ لبنان لم يسمح مثلاً بعمل معارضة سعودية أو عُمانيّة انطلاقاً من أراضيه. كان لبنان سريع التجاوب مع طلب استرداد مواطنين سعوديّين من قِبل النظام السعوديّ. ومؤامرات الانفصال وقلْب الأنظمة كانت تجري في بيروت وبرعاية خليجية وأميركيّة غالباً. ثمّ: لو تقرأ محاضر محاكمة إيلي كوهين (والمحاكمة كانت شفافة وصريحة على غير المحاكمات التي جرت خلال الحكم البعثي عبر العقود) تجد ذِكْراً لبيروت كمعبر ومنطلق لعمليّات كوهين. والجانب الأمني في العلاقة هو الذي وضع ملفّ العلاقة بين يدَي مدير الأمن العام في لبنان وقادة المخابرات السوريّة. بعد الحرب، استطاع النظام السوري أن ينشر حُكم المخابرات في كلّ المناطق الخاضعة له، لكن بقيت بيروت الشرقية وتوابعها، كما أنّه كان هناك مناطق خارجة عن سيطرته المباشرة (مثل طرابلس والجنوب). هذا الجانب في العلاقة لن يتغيّر. إنّ عمليّات تدبير الانقلاب أو الانتفاضة على النظام الجديد ستجري أو تنطلق من لبنان وهذه المرّة؛ لأنّ سلطة الدولة المركزيّة أضعف ممّا كانت عليه في سنوات الحرب. لكنّ: سوريا الجديدة باتت عاصمة للتآمر ضدّ محور المقاومة الذي لم يبقَ منه إلا إيران والحزب واليمن البعيدة. والحاكم السوري الجديد جاهر بموقف العداء لإيران، وفقط لإيران.
رابعاً، حلفاء سوريا في لبنان مسؤولون عن زيادة القهر والقمع في لبنان. الحركة الوطنيّة لم تطالب يوماً بتخفيف سطوة المخابرات السوريّة. على العكس، كان قادتها يقيمون المآدب والحفلات على شرف ضباط المخابرات المجرمين. كمال جنبلاط تجرّأ على نَقْد دور النظام السوري فقتله النظام. بعكسه، رفيق الحريري كان يستعين بالمخابرات السوريّة ضدّ أعدائه. كان يريد المزيد من التسلّط وهو طالَب حافظ الأسد بدعم المخابرات لنَيله سلطات استثنائيّة. الحريري اشترى أقطاب النظام السوري (خدام والشهابي وكنعان وغيرهم) لكنّ دور هؤلاء تقلّص في زمن بشّار. هذه هي حصراً مشكلة رفيق الحريري وجنبلاط مع نظام بشّار: كان نظام حافظ الأسد أكثر تسلّطاً وتجبّراً لكنّ الحريري عرف كيف ينال مقصده بالرشوة. هو رشى الفريق الجديد (رستم غزالي وغيره) لكنّ هؤلاء كانوا أقلّ ارتهاناً، ووليد المعلّم لم يكن (بحسب معظم الشهادات) فاسداً مثل عبد الحليم خدّام الذي ابتزَّ معظم، إن لم نقل كلّ، ثري لبناني طموح (ومن كل الطوائف). تنافس حلفاء سوريا في إرضائها، وكان جنبلاط وغيره يسلّمون النظام مطلوبين (بعضهم كان مطلوباً لمواقفه). باسم السبع في كتابه عن الحريري يعترف أنّه (على الأرجح) تسبّب في مقتل سوري في لبنان لأنّه وشاه لغازي كنعان.
سياسة لبنان نحو القضيّة الفلسطينية أثّرت في العلاقات. قد لا يبدو هذا العامل راهناً الآن؛ لأنّ النظام السوري تنصّل على الفور من أيّ التزام بالقضيّة ورأى أنّ ليس لديه سياسة عداء لإسرائيل. لكنّ هذا قد يدفع بلبنان (أو بعضه) إلى معارضة توجّهات النظام لو أنّه طبّع مع إسرائيل وافتتح سفارة للعدوّ. وهذا يذكّر بعام 1973 عندما قرّر النظام السوري إغلاق الحدود بين البلدَيْن بعدما شنَّ حُكم سليمان فرنجيّة حملة عسكرية وحشيّة ضدّ المخيّمات الفلسطينيّة، واستعمل فيها ما كان لدى لبنان آنذاك من طائرات مقاتلة (هوكر هنتر) ضدّ المخيّمات الفلسطينيّة (هي المرّة الوحيدة التي استعمل فيها نظام عربي طائرات مقاتلة ضدّ المخيّمات الفلسطينية ويكون النظام اللّبناني يُسجّل بذلك توأمة وحشيّة مع إسرائيل).
نحن أمام مرحلة جديدة في العلاقات لكنّها لن تكون سهلة أو سِلميّة على الأرجح، ومن غير طرف، خصوصاً عندما تتبلور طبيعة النظام القائم في دمشق، أو حتى في المرحلة الأُولى من الصراع على السّلطة.
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على اكس
