على بالي

انتهتِ الحرب في غزّة، أو هكذا أُبلِغنا. لقد انسحب العدوّ من قطاع غزّة وأوقف الإبادة. بعد 45,805 ضحايا، (أي 2% من سكّان القطاع) وبعد تسجيل فقدان 11,200 شخص (أي 0,5 من سكّان القطاع) وبعد جرْح 109,064 من سكّان القطاع (أي 5% من سكّان القطاع) وبعد تسجيل 15,000 حالة إعاقة دائمة (0,7% من سكّان القطاع) وبعد مغادرة 100 ألف من سكّان القطاع له (أي 4,5% من سكّان القطاع)، أخيراً انتهت الحرب على غزّة، أو هكذا تأكّدنا من تغطية الإعلام الغربي والعالمي. الإعلام العربي له مشاغله. هناك ليالي الرياض التي لا تُشرق الشمس عليها، وهناك انشغال قطر بتحرير سوريا وتشكيل حكومة ديموقراطيّة علمانيّة فيها كي تماشي توجّهات الأنظمة الخليجيّة التنويريّة. نستطيع أن نُديرَ وجوهنا عن الشاشات وننصرف إلى أعمالنا. لم يعُد أطفال غزّة بحاجة إلى اهتمامنا. ماتَ مَن ماتَ، وتجلّدَ أطفال رُضّع حتى الموت، وأُبيدت عائلات في أجيال. تنافس أولاد غزّة على القُوت ووقفوا في صفوف متعرّجة بانتظار أرغفة الخبز. الإعلام العربي والخليجي لديه ما هو أهم: لقد شذّبَ أحمد الشرع لحيته وارتدى بزّة مدنيّة بربطة عنق، وأعلنه وليد جنبلاط رجل دولة (لماذا لا يُطلَق لقب رجل الدولة على أعداء أميركا وإسرائيل؟ لعلّها المصادفة أو لعلّ في الصراع مع الغرب وإسرائيل ما يحرِمك من مرتبة رجل الدولة -لا نساء دولة في الجمهوريّات والممالك العربيّةـ). مات أهلنا في غزّة وانتهى العدوان (المُستمرّ) لأنّ أنظمة التطبيع تريد طيّ الصفحة مع إسرائيل قبل انتهاء حرب الإبادة. لم أرَ الضحك على محيّا وزير الخارجيّة الإماراتي كما رأيتُه بالأمس وهو يستقبل وزير خارجيّة إسرائيل. احتفلوا بالنصر. هؤلاء كما قال محمد بن سلمان في جلسة مع الصهاينة (تسرّبت محادثاتها): لا تعني لهم قضيّة فلسطين شيئاً. هم يسايرون شعوبهم فيها لفظاً، كما اعترف الحاكم السعودي. لكنّ الشعب العربي تقاعد عن فلسطين، ما سيسهِّل تسريع التطبيع بين السعودية وإسرائيل (وتسعى الإدارة الأميركيّة إلى الحصول على تطبيع مع إندونيسيا، لكنّ شعبها أكثر عروبةً منّا). نغيّر المحطّة لو تضايقنا.
