على بالي

قرأتُ في الإعلام أنّ الحُكم السوري الجديد فكّكَ شبكة لـ «داعش»، كانت تنوي تفجير مقام السيّدة زينب في دمشق. طبعاً، من الواجب التعامل مع مزاعم النظام الجديد بالتشكيك نفسه الذي عاملْنا به مزاعم النظام البائد، مع فارق أنّ الحُكّام الجُدد بحاجة ماسّة إلى طمْس تحدّرهم من سلالة «داعش» و«القاعدة». لكنْ ما لفتني في الخبر أنّه كان مِن بين المتطوّعين لهذا العمل رجل فلسطينيّ من مخيم شاتيلا. مخيّم شاتيلا على أيّامي كان يعجُّ بالصِّبْية الذين كانوا يتنافسون للقيام بأعمال فدائيّة داخل فلسطين المحتلّة. كُثُر منهم كانوا يحلمون أنْ يراهم أترابهم في ملصقات الشهادة على جدران بيروت. كنتُ أرى أولاداً يتطوّعون في التنظيمات الفلسطينيّة (وبعض التنظيمات كانت، للأسف، تسمح لأولاد وأطفال بالتدرّب العسكري). لكنْ، ماذا حلّ بالمخيّمات الفلسطينيّة، وماذا حلّ بأهواء سكّانها؟ أي إنّ هذا الفلسطيني الداعشي راقبَ ما يجري في غزّة من حرب إبادة وشاهدَ العدوان الوحشي على لبنان وسمعَه، ولم يشعرْ بأيّ دافع للإسهام في صدِّ عدوان إسرائيل أو في دعم المقاومة، ولكنّه هبَّ من مقعده وتحرّق للانتقال إلى الشام لتفجير مقام السيّدة زينب للانتقام من الشيعة لأسباب لا يعرفها إلّا هو والراسخون في السلفيّة. ماذا فعل محمد دحلان ومحمود عبّاس بالمخيّمات الفلسطينيّة؟ كأنّهم دسّوا مخدّراً خطيراً في مياه المخيّم، أو أنّهم سلّطوا تنويماً مغناطيسيّاً على أهل المخيّم لتحوير أنظارهم بعيداً عن وُجهة فلسطين. أمّا التنظيمات السلفيّة الجهادية، فباتت نافذة في هذه المخيّمات، وبات تكفير الشيعة أهمّ من التفكير في خطط لتحرير فلسطين. هذه المخيّمات (ومخيّم شاتيلا بالذات الذي كان أوّل مخيّم فلسطيني تطأه قدماي) كانت مدارس ثوريّة للكثير منّا، نحن اللبنانيّون الذين انجذبنا للعمل من أجل فلسطين. كيف يمكن تحويل الثقافة السياسيّة بصورة جذريّة؟ لكن أتذكر ما فعله السادات (وبنجاح كبير) في تغيير أهواء الشعب المصري بعد وفاة عبد الناصر. هناك اليوم أناس في المخيّمات الفلسطينيّة يكرهون الشيعة وغيرهم من العرب أكثر ممّا يكرهون الجيش الذي يرتكب الإبادة في فلسطين؟ ثم نتساءل عن استكانة الشعب العربي؟
