على بالي

وأخيراً، قبِلَ نتنياهو ببنود وقْف النار في غزّة، بعدما كان لأشهر يرفض مضامين الاتّفاق نفسها. ليس من لغز حول ما حدث (بحسب الصحف الإسرائيليّة والأميركيّة على حدٍّ سواء): وصل مبعوث ترامب (المُعيّن) إلى الشرق الأوسط وفرض على نتنياهو، تحت وطأة التهديد، قبولَ الصفقة التي كان قد رفضها. القصّة ذات دلالات على غير صعيد:
1) أنّ الولايات المتحدة منذ العدوان الثلاثي على مصر تستطيع أن تأمر إسرائيل، لو أرادت، ولو كان الأمر ضدّ مشيئة إسرائيل أو مصلحتها. لم يتكرّر الضغط الذي مارسه أيزنهاور على إسرائيل.
أمور كثيرة تغيّرت منذ ذلك الحين، النموّ الهائل للّوبي الإسرائيلي في واشنطن والذي بات -ومن دون مبالغة- يسيطر على عمليّة صنْع القرار نحو الشرق الأوسط في كلّ دول الناتو. مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، لم يأتِ من خلفيّة أكاديميّة أو ديبلوماسيّة، فهو رجل أعمال في مجال العقارات. وقد يكون ذلك عَوناً له في مهمّته؛ لأنّه غيرُ مُثقَل بحِمل ثقيل من المصطلحات والضوابط الديبلوماسيّة التي تحكم العلاقة الأميركيّة مع إسرائيل. مسؤولون عرب أخبروا «تايمز أوف إسرائيل» (باتت أحاديث الزعماء العرب مع الصحافة الإسرائيليّة تفوق أحاديثهم النادرة مع الصحافة العربيّة) أنّ ويتكوف حقّقَ في لقاء واحد مع نتنياهو أكثر مما حقّقه بايدن في سنة كاملة (يجب أن نقلع عن عدّ بايدن حاكماً في ولايته، بل كان واجهة للهيئة المتنفّذة في الحزب الديموقراطي، والتي أخذت في حسبانها في صنْع القرار تعصّبَه الصهيوني). دوافع ترامب لا تنبع من حرص على حياة الفلسطينيّين، فهو تحدّث عن وقف النار فقط كمشروع لإطلاق رهائن إسرائيل.
2) أنّ اليسار الغربي أشنع من اليمين؛ لأنّه مُخادِع ولأنّ هناك في عالمنا العربي مَن يصدّق أنّ اليسار أو الليبراليّين في الغرب يقدّمون برنامجاً أفضل لشعوبنا. إنّ أداء وزيرة خارجيّة ألمانيا (من حزب الخضر) في تبرير قصْف المدنيّين وقتْلهم في غزة يجب أن يكون كافياً لدحض مزاعم جمعيات الترويج لليبرالية الغربيّة. ترامب أراد بدء صفحة جديدة من العلاقات الدوليّة في أوّل عهده.
