على بالي

لا يمكنُ التقليل من أثر منسوب الكرامة الذي تركَته معركة تحرير الجزائر في نفوس الجزائريّين. كلُّ بلادنا كانت مستعمَرة، لكنْ هناك أنماط مختلفة من التعامل مع المستعمِر. في لبنان، أصوات ترتفع كلّما زارنا ماكرون تطالبه باستعمار لبنان. لبنان بلد حفِظ الجميل للمستعمِر.
ياسر عرفات نسقٌ مشابه: كان يقول لأرييل شارون: أخاطبك كجنرال لجنرال، مساوياً بين قِتال الشعب الفلسطيني ووحشيّة المُستوطِن. وعرفات ارتضى أن يحرس دولة العدوّ، وأن يعذّب المقاومين ويقتلهم لتأمين أمن إسرائيل. بشارة الخوري في «حقائق لبنانيّة» يروي كيف أنّ سفينة حربيّة فرنسيّة أرادت زيارة شاطئ لبنان، وحدث لغْط حَول ما إذا كان استقبالُها بعد بضْع سنوات من نَيل الاستقلال يشكّل إهانة للكرامة الوطنيّة. الخوري حسم الجدال وأصرّ على استقبال السفينة من باب حِفظ الجميل للمستعمِر. النظام السوري الجديد يُطمئِن إسرائيل بصورة شبه يوميّة حَول نيّاته الحسنة نحوها، وهو يزهو باستقبال وفد أميركي في الوقت الذي تحتلّ فيه أميركا أرضاً سوريّة (وتسرق نفطها).
الجزائر عالَمٌ آخر وثقافة مختلفة. هي تُعدُّ مشروع قانون «تجريم الاستعمار». وهذا القانون ليس إلّا ردّ فعل (من عام 2005) على قانون من البرلمان الفرنسي (من العام نفسه) يتضمّن إشادة بالاستعمار الفرنسي وتكريس احتفال المناهج الدراسيّة بـ«الدور الإيجابي للوجود الفرنسي في الخارج». القانون الجديد يريد تسليط الضوء على جرائم الاستعمار الفظيعة. الرئيس الفاسد، بوتفليقة، عرقل التصديق على القانون. الجزائر تثأرُ لكرامتها دوماً، ربّما لأنّها، خلافاً لبلدان أخرى نالت استقلالها بالتسوية بين المستعمرين ومعهم، ضحّت كثيراً في سبيل تحرير أرضها.
لكن عندما يكون النشيد الوطني الجزائري يعِد فرنسا: «يا فرنسا إنّ ذا يومَ الحساب، فاستعدّي وخذي منّا الجواب»، تعلم أنّنا نتكلّمُ عن بلدٍ عربي غير اعتيادي. هذا بلد تحتلّ فيه الكرامة الوطنيّة والسيادة منزلة قِيم مقدّسة في لبنان، مثل الاحتفاء بالمستعمِر وعقْد حلقات الدبكة ترحيباً به. وتستطيع مثلاً أن تعقد مقارنةً بين طريقة احتجاز الجزائر للكاتب الفرنسي الصهيوني العنصري، بوعلام صنصال، وتعامُل لبنان مع عامر الفاخوري (مع فارق سيرة الرَجلَيْن من حيث الجُرم).
