على بالي

عندما كنتُ طالباً ماركسيّاً في لبنان، كنتُ أقرأُ بيانات الدول الاشتراكيّة عن فلسطين بكثير من الرِّيبة والتشكيك. لم أكن أصدّق حينها أنّ الشعب المجري أو التشيكوسلوفاكي يدعم نضال الشعب الفلسطيني.
كانت الأنظمة تنطق باسمها وباسم مصلحة الاتّحاد السوفياتي. وعندما انهارت تلك الأنظمة، وجدْنا أنّ شعوب تلك الدول هي شديدة المعاداة للنضال الفلسطيني وكأنّها تنتقم من شعارات المرحلة السابقة. وبالفعل، لتجدنّ اليوم أنّ شعوب أوروبا الشرقيّة هي أكثر صهيونيّةً من شعوب أوروبا الغربيّة، أي إنّ الأنظمة الشيوعية لم تترك أثراً إيجابياً في الثقافة السياسيّة (نستطيع أن نجد الأثر عينه في ما كان ماضياً ألمانيا الشرقيّة).
مناسبة هذا الكلام سقوط النظام السوري وبروز نظام جديد لا يفوّت مناسبة ليعبّر عن حُسن نواياه نحو إسرائيل، وعن رغبته في الحرص على أمن إسرائيل وإظهار المعاداة حصريّاً لأعداء إسرائيل (الشرع مثلاً يحمّل في أحاديثه مع الوفد اللبناني- الذي زاره برئاسة الميقاتي- «حزبَ الله» وإيران كلّ المسؤوليّة عن ضحايا الحرب في سوريا، لكنّه استقبل بعدها بيومين المندوب الروسي). لكنّ الشعب السوري لا يبدو عليه أيُّ انزعاج من نوايا النظام الحسنة نحو إسرائيل. كأنّ الثقافة السياسيّة الجديدة في سوريا تريد أن تقطع بالكامل مع الشِّعارات الكبرى للمرحلة الماضية (هل أصبح شعار فلسطين وتحريرها أو الوحدة العربيّة ملتصِقاً بالبعث الذي لم يخدِم شعاراته بل ناقضها؟).
يمكن التعميم بالقول إنّ الشعب السوري اليوم لن يعترض لو أنّ النظام الجديد عقد اتّفاقيّة سلام مع إسرائيل. والطريف أنّ مثقّفي المعارضة (السِّلمية أو المسلّحة) كانوا يسخرون مِن وعْد النظام البائد بالردّ على إسرائيل «في الزمان والمكان المناسبَين» لكنّهم لا ينزعجون من عدم الوعد بالرد مِن قِبل النظام الجديد الذي يبدو أنّه يفتح سوريا أمام عدوان إسرائيل، ولا شكّ في أنّ هناك تنسيقاً مع النظام الجديد حَول أماكن القصف بالتمهيد لها بالإخلاء. وبرنارد لويس كان يقول «إنّ أكثر الشعوب تعاطفاً مع الغرب وإسرائيل هي تلك التي تعيش في ظل حكومات معادية لهما»، وكان يشير دوماً إلى إيران.
