على بالي

الانقسام ليس جديداً على لبنان. لم يكن البلد الصغير موحَّداً يوماً. حتى في موضوع الاستقلال، كان هناك فريق سياسي فاعل يعارض استقلال لبنان (ماروني بقيادته لكنّه ضمّ مسلمين).
وفي موضوع الهويّة، وهي أساسيّة في تشكيل الأمم، لم يكن هناك إجماع بين اللبنانيّين: دُعاة عروبة في مقابل دُعاة الانعزاليّة الفينيقيّة. دُعاة الاتّجاه نحو الشرق العربي ودُعاة الاتّجاه نحو الغرب البعيد.
اليوم، هناك دُعاة العروبة المزيّفة الذين يريدون فصْل لبنان عن قضيّة فلسطين والمقاومة والالتحاق بقطار التطبيع الخليجي.
العروبة اليوم هي عكس ما كانت تعنيه في زمن عبد الناصر. في موضوع الإصلاح السياسي، كان هناك- ولا يزال- انقسام بين اللبنانيّين: يسار في مقابل يمين ومسلمون في مقابل مسيحيّين وسُنة في مقابل شيعة وموارنة في مقابل موارنة، والقائمة تطول.
وهناك انقسام بين الزعماء: بين شهابيّين وخصومهم لغير عقْد من الزمن. وهناك الانقسام بين الذين يرَون الصراع العربي ــ الإسرائيلي لا يعنينا وبين الذين يرون أنّ كلفة التنصّل من المسؤوليّة في القضيّة الفلسطينيّة أكبر من كلفة الانخراط، ووفقاً لمصلحة لبنان.
وهذا الانقسام بدأ مبكراً، لكنّ خطة فؤاد شهاب في التهرّب من المسؤوليّة العسكريّة التي وقّع لبنان عليها قبل حرب 1948 لاقت ترحيباً وقبولاً من معظم زعماء لبنان في حينه. لم يعترض زعماء المسلمين على ذلك، لا بل هم شاركوا في مهرجان الاحتفال بالمالكية الذي أهان تضحيات حقيقيّة لجنود ومقاومين.
شعار الحياد (أي التنصّل من مسؤوليّات القضيّة الفلسطينيّة وحتى التنصّل من مسؤولية الدفاع عن لبنان في وجه عدوان واحتلال إسرائيليين) يلقى ترحيباً من معظم اللبنانيّين اليوم بدليل الترحيب الكبير بالعهد الجديد الذي يقوم على هذا المبدأ.
والانقسام حَول مقاومة إسرائيل بدأ في الستينيّات: قبل الستينيّات، اقتنع معظم اللبنانيّين أنّ سياسة محاباة إسرائيل والانصياع لها يفيد في وقاية لبنان. وحتى بعد توالي عمليّات الخروق والعدوان الإسرائيليّة، اجتمع معظم زعماء لبنان على كذبة: شعار تقوية الجيش الذي بدأ مذّاك ولم يتوقّف. وفي الحالتَيْن، يتمّ الاعتماد على الحكومة الأميركيّة التي تتعهّد علناً بعدم السماح لأيّ دولة عربيّة باقتناء أيّ سلاح يزعج إسرائيل.
