على بالي

ظَلم المؤرّخون، خصوصاً الأميركيّين، تجربةَ جمهوريّة «فايمر»، أي النظام السياسي الألماني بين الحرب العالمية الأولى وسيطرة هتلر على الحُكم.
الحملة تضمّنت تشويهَ نظام الاقتراع النِّسْبي، الذي ساد في تلك التجربة، ونَقْدَه، وأنّه يسمح للأحزاب المتطرّفة بالنفاذ إلى التمثيل الاشتراعي. لم تكن جمهوريّة «فايمر»، الأولى في الاقتراع النِّسْبي، إذ سبقتْها إلى ذلك (في تجارب مختلفة الأنواع والأشكال) سويسرا أوّلاً ثمّ فنلندا وبلجيكا والدنمارك.
لكنّ تجربة ألمانيا كانت الأوسع والتي تُعدُّ النموذج الأهم.
في أميركا، هناك نبْذ قاسٍ ضدّ الاقتراع النِّسْبي ومساواته بالحُكم النازي أو حُكم التطرّف الخطير. النظام الاقتراعي الأميركي (مثل اللّبناني) بعيد كلّ البُعد عن التمثيل الديموقراطي الشامل، إذ يحصُر التمثيل بحزبَين وثيقَي الصلة برأس المال الكبير. لا يمكن لحزب ثالث الاختراق.
في لبنان، كان كمال جنبلاط أوّل من أطلق حملة لاتِّباع الاقتراع النِّسْبي ثم أصبح جزءاً من برنامج الحركة الوطنيّة. والأحزاب لا تولَد من عدم، بل إنّ النظام الاقتراعي يُسهِم في خلْقها، أو في خلْق أنواعها.
النظام السياسي اللّبناني مثالي للحفاظ على أحزاب طائفيّة محليّة، كما أنّ النظام الأميركي يُسهِم في الحفاظ على حزبَي رأس المال. النتاج الأكاديمي الغربي جعل من صعود النازيّة استثناء في الحالات الديموقراطية الغربيّة، ولاموا النظام النِّسْبي. في إسرائيل وألمانيا وضعوا ضوابط لإيجاد حدّ أدنى مُعيَّن لقبول التمثيل من ضمن النظام النِّسْبي.
لكنّ فرضيّة أنّ الديموقراطيّة الغربيّة لا يمكن أن تسمح بالتحوّل إلى نظام تسلّطي، يَثبتُ بطلانُها اليوم في كلّ دول الغرب. كلّ الدول الغربيّة عُرضة للتحوّل نحو الأنظمة التسلّطيّة، ونشهد ذلك في مختلف دول الغرب، خصوصاً وأنّ حركة التفوّق العِرقي الأبيض هي في أَوْجها بسبب وفود مهاجرين ملوّنين.
ليس ترامب أو غيره إلّا ردّة فعل على حركة الحقوق المدنيّة والمساواة. زعيم شعبي واحد يستطيع أن يتخطّى ضوابط فصْل السلطات، أو أن يُعيد صياغة أدوارها. النازيّة استوحَت أفكار التفوّق العِرقي من منظّمات مماثِلة في أميركا. ألمانيا النازية لم تكن استثناءً غربيّاً بل هي نبوءة مبكّرة لِما ستؤول إليه ديموقراطيّات الغرب.
