النظام السوري الجديد: النكوص إلى «الاقتصاد الحرّ»

مجيء السلطة السورية الجديدة بتصوُّر مسبق عن الاقتصاد، فحواه الانتهاء من النموذج الاشتراكي في الحكم لمصلحة ما تسمّيه «الاقتصاد الحرّ»، وضع منذ البداية حدوداً لما يمكن توقُّعه منها، على مستوى «الإصلاحات المُزمَعة».
البداية كانت من تعليق الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، حيث بدا الإجراء الذي ابتغى توفير أكبر كمية ممكنة من السلع للسوريين بمنزلة، ليس فقط محاولة لكسب شرعية اقتصادية من الناس، بل أيضاً مفاضلة بين نهجين في دعم الصناعة، لمصلحة الأجنبية منها.
الانهيار الكبير في أسعار هذه السلع، بسبب وصولها إلى السوق السورية بسعر التكلفة، كان على حساب نظيرتها المُنتَجة في الداخل، حيث بدت السلع السورية غير قادرة، بسبب استمرار ارتفاع تكلفة إنتاجها، على منافسة البضائع المورَّدة من الخارج بتسهيلات كبيرة، لا سيّما التركية منها.
في الاقتصاد السياسي للسلع، لا تعبّر القدرة الشرائية المدفوعة بتعليق الرسوم الجمركية، بالضرورة، عن منحى إيجابي، لأن الطلب هنا لا يكون تحت تأثير الزيادة في الأجور بقدر ما هو نتاج تسهيلات في عملية التبادل الجاري، على حساب السلع المُنتَجة داخلياً. العنصر الإيجابي الذي تمثّله إمكانية الحصول، بيُسر وسهولة، على البضائع الأجنبية، يحتاج إلى بنية داخلية معادِلة لإجراء تعليق الرسوم الجمركية. أي لجهة القدرة، ليس فقط على الحصول على السلع المحلّية بالقَدْر نفسه من السهولة، بل أساساً توفير بنية إنتاجية لها، تتيح لها إمكانية البقاء في السوق، والصمود في مواجهة المنافسة غير المتكافئة حالياً مع السلع الأجنبية.
التباسات تحرير الاقتصاد
ثمّة، مع ذلك، إيجابية ملموسة في تخفيض الرسوم الجمركية لا بدّ من ذكرها، حتى لو كانت تتعارض مع النواحي السلبية الآنفة الذكر.
وهي تتمثّل في الحصول على المواد الأوّلية اللازمة للصناعة، من الخارج، بتكلفة زهيدة، ما يجعل تكلفة الإنتاج، بالنسبة إلى الصناعيين والمنتجين المحلّيين، منخفضة بدورها، وهذا ينعكس فوراً على أسعار هذه المنتجات، لجهة توافرها في السوق بأسعار منخفضة.
والحال أنّ ذلك يتناسب، بمقدار معيّن، مع انخفاض القدرة الشرائية حالياً، بفعل حالات الصرف والفصل من الوظائف، فضلاً عن التأخير المستمرّ في دفع الرواتب والأجور تحت تأثير أزمة السيولة بالليرة.
مجيء السلطة السورية الجديدة بتصوُّر مسبق عن الاقتصاد، فحواه الانتهاء من النموذج الاشتراكي في الحكم لمصلحة ما تسمّيه «الاقتصاد الحرّ»، وضع منذ البداية حدوداً لما يمكن توقُّعه منها، على مستوى «الإصلاحات المُزمَعة»
ثمّة تناقضٌ هنا بالطبع، بين انخفاض نسبة التضخّم وضعف الطلب على السلع والخدمات، غير أنّ ذلك يعدّ «أمراً طبيعياً» في سياق ما تشهده البلاد من تغيير بنيوي في ماهية الاقتصاد وبنيته، حيث الانخفاض في الأسعار وفي سعر الصرف لا يعبّر عن تحفيز لعملية الإنتاج، بقدر ما يؤشّر إلى تغييرات في بنية العرض والطلب، سلعياً ونقدياً، وصولاً حتى إلى المعروض والمطلوب من اليد العاملة، بعد التغيير الكبير الذي طال كتلتها في مؤسسات القطاع العامّ.
أمّا بالنسبة إلى السيولة بالليرة، فالاختلاف عن بنيتها السوقية في العهد السابق لا يقلّ جذرية عن نظيرتها الخاصّة بالعمالة، لجهة الانتقال من منهجية التيسير إلى التشديد.
وهو ما يفسّر ليس فقط بقاء سعر الصرف الرسمي عند عتبة أعلى من نظيره السوقي، خلافاً لما هو متعارف عليه نقدياً، حتى في الاقتصادات الطرفية التي تعتمد اقتصاد السوق، بل أيضاً التذبذب أو التأرجح المستمرّ في سعر الصرف بين عتبتي الـ 10,000 و12,000، بدلاً من الثبات لسنوات عند عتبة الـ14,700، كما كان عليه الحال في حقبة النظام السابق.
لا بدّ من الإشارة في هذا السياق، إلى الدور الذي يلعبه الفارق الكبير بين سعري الصرف، الرسمي والسوقي، فهذا الأمر لا يبقي أسعار السلع والخدمات عند عتبة منخفضة فحسب، بل يساعد أيضاً على تدفُّق السيولة، بعيداً من التجار والسوق السوداء للعملة الأجنبية. المحافَظة على الفارق بهذا الشكل، تسمح للبنك المركزي بالتحكّم في السيولة الموجودة في السوق، إذ يبقى الطلب على السلع والخدمات منخفضاً نتيجة عدم توافر سيولة كافية بالليرة، وفي الوقت ذاته يعوَّض عن افتقاد الخزينة للعملة الأجنبية، التي تذهب في مجملها، سواءً تلك المدّخَرة منها أو الآتية عبر التحويلات الخارجية، إلى شركات الصرافة المرخّصة والبنوك التي تعتمد سعر الصرف الرسمي.
خيار التقشّف ووضع سقوف لسحب السيولة
بالمجمل، يمكن اعتبار كلّ ما سبق، لا سيّما لجهة الاقتصاد في طباعة النقد وتوفير السيولة بالعملة المحلّية، بمنزلة انعطافة واضحة نحو سياسات التقشّف، التي لم تعرفها سوريا في تاريخها المعاصر، حتى قبل وصول البعث إلى السلطة في عام 1963. «الاضطرار النقدي» إلى حبس السيولة بالعملة المحلّية بهذه الطريقة، نظراً إلى افتقار الخزينة للنقد بشقّيه المحلّي والأجنبي، لا يبرِّر السياسات الاقتصادية التقشّفية الأخرى، على مستوى قطاعات الإنتاج والخدمات المقدّمة من الدولة، إلى درجة يبدو معها أنّ التقاطع بين التهجين هو السمة السائدة في المرحلة المقبلة. فالرغبة المعلنة لدى المركزي في التقليل من طباعة أوراق نقدية جديدة، والتي يبرِّرها بالحاجة إلى إبقاء سعر صرف الليرة مرتفعاً وعدم التسبُّب في زيادة التضخُّم، تقابِلها، على نحو متقاطع، إجراءات التخفيف من كتلة اليد العاملة في المؤسّسات والمعامل المملوكة للدولة. هذا يضع الرغبة في تحفيز سعر صرف الليرة والحدّ من التضخّم خارج سياق استفادة الأكثرية منها، لجهة تعزيز الوظائف بدل الحدّ منها، ووضع السيولة في يد المستهلكين عوضاً عن سحبها منهم بطريقة غير مباشرة، بحجّة أزمة السيولة، والتي جرى حلُّها جزئياً أخيراً، عبر كمية النقد التي أرسلتها روسيا، تنفيذاً لعقد سابق مع السلطة السابقة.
بين التيسير والتشديد النقديين
النظام السابق كان يعتمد منهجية عكسية، وهذا يعود في جزء كبير منه إلى استمرارية العمل ببقايا الهياكل الاشتراكية التي تهالَكَت كثيراً، مع احتفاظها بفاعلية ملحوظة، لجهة دعم الفئات الأكثر احتياجاً بين السوريين. السياسة النقدية المُتبَعة حينها كانت تقضي بإبقاء السيولة متوافرة في السوق بكمّيات كبيرة، عبر طباعتها باستمرار، في الخارج، حتى من دون تغطية فعلية من الذهب.
هذا كان يُبقي السيولة بالليرة في يد التجّار والمنتجين، وصولاً إلى الموظّفين والعمّال، حتى مع تراجُع الطلب على السلع والخدمات، نتيجة التضخّم القياسي والارتفاع المستمر في سعر الصرف. كان ذلك يترافق أيضاً مع عدم المساس بالكتلة الكبيرة من العمّال والموظّفين في القطّاع العامّ، إذ تدعم السياسة الخاصّة بالتيسير النقدي نظيرَتها المتعلّقة بإبقاء الدعم للطبقتين العاملة والمتوسّطة قائماً.
لم يكن ذلك كافياً لدعم الطلب على السلع والمنتجات، كون الطباعة المستمرّة للعملة تحفّز التضخّم بدلاً من السيطرة عليه، وهذا الأخير يكبح الطلب، ويُبقي الدعم الذي تَلقاه الطبقتان العاملة والمتوسّطة، عبر كتلة الأجور والرواتب، عند حدود معيّنة.
السياسة الانكماشيّة الحاليّة أنهت العمل بكلّ هذه المنظومة، ليس فقط عبر عَكْس السياسة النقدية الخاصّة بتصغير حجم السيولة ووضع سقوف على سحب الأموال من البنوك، بل أساساً عبر بلورة وجهة للاقتصاد تكون فيها الكتلة العاملة في مؤسّسات القطّاع العامّ أقلّ بكثير مما كانت عليه سابقاً، إلى درجة وصول أعداد المصروفين من وظائفهم إلى عشرات الآلاف من الموظّفين والعمّال.
خاتمة
اعتماد سياسة التشديد النقدي المعروفة بالتقشّف، في معظم الوجهات التي تقود الاقتصاد حالياً، بما في ذلك رفع الدعم عن المواد الأساسية وتركها للتنافسية السوقية وحدها، ينمّ، ليس فقط عن تبنٍّ للرأسمالية التي لا تقود إلى تراكم فحسب (كونها طَرَفية وتابعة)، بل كذلك عن منهجية واضحة لتفكيك ما تبقّى من هياكل اشتراكية موروثة عن الحقبة السابقة، حتى وهي تتهالك وتخضع لسيطرة الأوليغارشيا التي كانت تقود المرحلة الأخيرة من حكم بشار الأسد. الموقف المُعتمَد اقتصادياً بهذا المعنى، ليس في مواجهة النظام السابق، كونه تحوَّلَ إلى أوليغارشيا هو الآخر، بقدر ما هو نكوصٌ عن المكتسبات القليلة الباقية من الحقبة الاشتراكية، والتي لا يستفيد منها الأغنياء والأقلّية الأوليغارشية العابرة للنُظُم والحكومات، بل المهمّشون والفقراء والمياومون والعاملون بأجر. وهؤلاء يمثّلون، كما نعرف، الأكثرية العظمى من السوريين، سواءً في الموالاة السابقة، أو حتى في المعارضة السابقة، التي وصلت إلى السلطة حالياً.
* كاتب سوري
