دمشق | لا يزال الشارع السوري، بمختلف أطيافه المعارضة والموالية للنظام الحاكم، يعيش حالة من الصدمة والذهول، إثر المشاهد الدموية لمجزرة قرية «الحولة»، الواقعة في ريف حمص. وقد رأى البعض أنّ هذه المجزرة البشعة ستشكل «منعطفاً خطيراً في أحداث الأزمة السورية»، عندما تحولت مشاهد الأطفال المذبوحين إلى حديث الساعة لدى الغالبية العظمى من السوريين. وقد تعددت القراءات والتحليلات الإعلامية، الرسمية السورية، أو العربية والدولية، حول حقيقة هذه المجزرة. لكن تبقى حقيقة الموت والدموية كافية من وجهة نظر المعارضة السورية، الخارجية كانت أو الداخلية، للدعوة إلى «إضراب الكرامة»، الذي شهد صباح أمس يومه الأول، في مناطق تجارية مختلفة وسط العاصمة دمشق، والمدن السورية الكبرى، مثل: حلب، حماه، وحمص، وغيرها، عندما استجاب العديد من التجار الكبار، وأصحاب المحال التجارية الصغيرة لدعوى الإضراب، مع روايات أخرى مختلفة، تفيد بأن «إغلاق المحال التجارية في مناطق مختلفة من دمشق كان بسبب التهديد بإحراقها أو تكسيرها، من قبل وحدات من «الجيش السوري الحر والمجموعات المسلحة»، بحسب شهادة أحد سكان منطقة الميدان وسط العاصمة دمشق. وأضاف الرجل الدمشقي لـ«الأخبار» ما معنى العبارات التي كتبت على أبواب المحال التجارية في منطقة الميدان ونهر عيشة ــ الإضراب أو الإحراق ــ، بمعنى التهديد المبهم». بدورها، عمدت وحدات من الأمن السوري الى إرغام أصحاب العديد من المحال التجارية في منطقة الفحامة، وسوق الحميدية، وسوق الحريقة على فتح محالهم، مهددين بفتحها بالكسر والخلع بالقرب من جامع الصحابي زيد بن حارثة، حسب محدثنا، بينما لفتت الطالبة الجامعية عبير نور الدين الى أنها رأت «عناصر من الأمن السوري يكسرون أقفال المحال التجارية، وأصحابها يقفون أمامهم»، كما أكدت أن أصحاب المحال انتظروا ذهاب عناصر الأمن، ليغلقوا محالهم مجدداً. ولدى سؤالها إن كان إغلاق المحال إعلاناً واضحاً من التجار عن مشاركتهم في «إضراب الكرامة» أم نتيجة خوفهم من تهديدات تعرضوا لها، أجابت نور الدين: «ما معنى تجمع العشرات من عناصر الأمن في ساحة سوق الحريقة، وانتشارهم الكثيف في سوق مدحت باشا، وإجبار التجار على فتح محالهم بالقوة؟». هذه الرواية لا يوافق عليها منذر (55 عاماً)، الذي شاهد بأم عينيه قنابل المولوتوف موضوعة عند باب المحل التجاري الذي يعمل به صديقه، وسط سوق الحميدية، «التهديد من قبل الجماعات المسلحة كان واضحاً تماماً: إما إغلاق المتاجر، أو ستحترق بقنابل المولوتوف التي رأيتها بعينيّ».

بدوره، كان أستاذ جامعي، فضّل عدم الإفصاح عن اسمه، أكثر وضوحاً في كلامه: «وجهت لي أسئلة عديدة، بشأن إمكان إقناع التجار بالمشاركة في الإضراب، فكان جوابي: إن هؤلاء التجار لا يفهمون إلا بمنطق الربح والخسارة، لذلك علينا إيجاد بدائل واضحة تعوض لهم خسائرهم من مشاركتهم في الإضراب». وأوضح الباحث السوري المعارض أن من الممكن أن تكون البدائل للتجار مادية أو معنوية، «يمكن إقناع شيوخهم بإصدار فتوى دينية، تعتبر خسارتهم المادية جزءاً من الزكاة، أما مادياً فيمكن إقناع تركيا بخفض الضرائب على السلع، وإزالة الحظر عن بضائع السوريين، أو إقناع الأردن بإصدار قرارات تسهيل استيراد البضائع للسوق السورية.
وانتقلت حمى الإضراب من أسواق العاصمة دمشق، إلى محافظة حلب، العاصمة الاقتصادية الأولى لسوريا. ولم ينف الناشط السياسي نائل الحريري ما أشيع عن مدينته حلب، وعن دور التجار في تهدئتها، قائلاً: «التجار الذين كانوا يبتعدون عن الخوض في هذه النقاشات، وعن وضع أنفسهم في موقف سلباً أو إيجاباً، هم اليوم أكثر اهتماماً بمجريات الثورة في حلب وكل المحافظات والمناطق السورية».
جولة سريعة قام بها المعارض السوري لرصد حالة الإضراب في الأسواق الحلبية، كانت كافية ليؤكد «أن حالة الإضراب خجولة جداً، وأن أعداداً قليلة جداً من المحال التجارية، كانت مغلقة، ولم ترقَ إلى الدعوات التي وجهت للإضراب». وأشار، أيضاً، إلى أن أعداداً كبيرة من التجار الحلبيين، لم يكونوا يحملون نفساً «معارضاً» يعلنون عنه، «هم اليوم يتقبلون فكرة المعارضة والثورة، بمعزل عن الخسائر المادية التي يمكن أن تلحق بتجارتهم».
من ناحيته، قدّم الباحث الأكاديمي حسان عباس قراءة أكثر منطقية وموضوعية لبداية «إضراب الكرامة»، عندما كتب على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» أنه «وردت أنباء متواترة عن تصرفات رافقت الإضراب في بعض المناطق، وأظهرته في مظهر بعيد عن ذاك الذي ارتضاه لنفسه، فقد سمعنا عن إلزام بالإضراب بالقوة، وسمعنا عن عقاب مورس بحق من رفض الانصياع للدعوة، وهي من دون أدنى شك أنباء تستثير لدينا مشاعر الأسى والاستنكار».
على صفحات الموقع الأزرق، تسابق رواد ومتصفحو الفايسبوك في تقديم قراءاتهم وردود أفعالهم حول «إضراب الكرامة». المعارضون للنظام السوري اعتبروا في مجمل تعليقاتهم «أنه بداية الحسم، وآخر فصول الأزمة السورية التي ستنتهي حتماً بسقوط النظام».