أقلّت السعودية، بعد أزمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، من التحرّك السياسي والدبلوماسي الخارجي، على رغم حاجتها الماسّة إلى ترميم صورتها المهشّمة، وغسل يدها الملطّخة بالدماء في أكثر من بلد عربي، لا سيما في اليمن. والظاهر أن الرياض لن تبادر في الوقت الحاضر تجاه الدول الغربية، بالنظر إلى الضغوط المتصاعدة على القادة والمسؤولين الغربيين، أصدقاء النظام السعودي، وبالتحديد ولي العهد محمد بن سلمان المتّهم بأنه الذي أعطى الأمر باغتيال خاشقجي. تدرك المملكة أن الوقت لا يزال مبكراً لمدّ الجسور، ووصْل ما انقطع مع الحلفاء الغربيين، أو العمل على إغرائهم بصفقات جديدة لإسالة لعابهم، وهي اللغة الرئيسة التي يفهمونها.

قد يكون التحرك الأقوى باتجاه الداخل السعودي، في إطار ترتيب البيت الداخلي، بعدما صدّعته سياسة الاستفراد والبطش التي اعتمدها ابن سلمان، وكانت ذروتها عملية الاعتقال الشهيرة لأبناء عمومته في فندق «ريتز كارلتون» أواخر عام 2017 تحت ذريعة محاربة الفساد، والتي لم تنته إلا بتسويات مالية، صادر ابن سلمان من خلالها مبالغ كبيرة تُقدّر بـ35 مليار دولار أميركي. بعد حادثة خاشقجي، بادر الملك سلمان إلى محاولة لمّ شمل الأسرة الحاكمة، وبدأ جهوداً في التواصل مع الأمراء الساخطين على نجله. ووفقاً لمصدر على صلة بالعائلة المالكة تحدث إلى «رويترز» الشهر الماضي، فإن تداعيات مقتل خاشقجي كانت من الضخامة بحيث شعر الملك بضرورة التدخّل في الأمر. ويشيع مقرّبون من الديوان الملكي أن الأسرة الحاكمة بدأت تتلمّس خطراً وجودياً بعد واقعة اسطنبول، وأن هناك محاولات داخلها لامتصاص حالة الغضب التي خلّفتها إجراءات ابن سلمان القمعية ضد الأجنحة المنافِسة. والظاهر أن الساخطين لا يبدون ممانعة أو رفضاً، وأن الأكثرية تتجاوب مع الجهود المبذولة من قِبَل الملك، علماً بأن هذا التجاوب لا مفرّ منه؛ إذ لا سبيل أمام الأمراء سواه، بعدما خُلعوا من السلطة وجُرّدوا من الامتيازات.
السؤال المطروح هنا: ما هي الأثمان المطلوبة لإرضاء تلك الأجنحة، التي شكّلت قوائم حكم آل سعود خلال أكثر من ثمانين عاماً؟ المنطق والبداهة يفترضان إسقاط التفرّد وهيمنة الشخص الواحد، ووقف الاستئثار بمراكز القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية وتوزيعها ضمن الترتيب السابق، وإعطاء ضمانات بعدم تكرار عمليات الاعتقال ومصادرة الأموال والممتلكات، والأهم من ذلك العودة إلى «سعودة» السلطة، بعدما عمد الملك سلمان إلى حصرها في أسرته، وهو الإجراء الوحيد الذي سيعيد «الشراكة»، ويهيّئ للخروج من الأزمة الحالية. لكن، هل يرضى ولي العهد، الذي يمسك بالسلطات كافة، بالتنازل، والقبول بمبدأ الشراكة، وتوزيع المغانم والسلطات؟
لا شكّ في أن الأزمة التي يمرّ بها ابن سلمان صعبة للغاية، في ظلّ تشوّه صورته، وتبلور رأي عام عالمي مناهض له، بالإضافة إلى حراجة موقف حلفائه الأوروبيين والأميركيين من استمرار العلاقة به. باختصار، الرجل في وضع لا يُحسد عليه. ومع ذلك، لا يزال يحظى بثقة الملك، الذي لا يبدي حتى الآن ميلاً إلى تغييره أو الحدّ من سلطاته، بل تشير الدلائل إلى أنه متمسّك به، ولا يبالي بالكمّ الهائل من الانتقادات واللوم الموجّه إلى ابنه. وفي السياق ذاته، وعلى رغم الضجيج الأميركي حول قضية خاشقجي، إلا أنه لم يصدر حتى اللحظة أي موقف أو تلميح إلى رغبة أميركا في وقف التعامل مع ولي العهد، وحتى لو وُجدت هذه الرغبة فإن ترجمتها تحتاج إلى ترتيبات مسبقة تتعلّق بإيجاد خليفة قادر على المضيّ في تنفيذ السياسات الأميركية والإسرائيلية بالحماسة نفسها التي أظهرها ابن سلمان.
في الواقع، لدى واشنطن أوراق عديدة يمكنها اللعب بها داخل الأسرة خصوصاً، والمملكة عموماً. وهي لا تعاني شحّاً في الأمراء السعوديين الراغبين في التعاون، بل ثمة كثيرون حاضرون لتنفيذ المصالح الأميركية، لكن الإشكالية تتّصل في الحاجة إلى أمراء على نسق ابن سلمان، مستعدين للمضيّ إلى أبعد الحدود في خدمة المشروع الأميركي ـــ الإسرائيلي، لا سيما في ما يتعلّق بـ«صفقة القرن» والحرب على إيران. في الآونة الأخيرة، أعيد الحديث مجدداً عن ولي العهد السابق محمد بن نايف، بصفته أحد أهمّ أصدقاء الغرب القدامى. كما جاءت عودة الأمير أحمد بن عبد العزيز، الشقيق الأصغر للملك، الأسبوع الماضي إلى البلاد، في إطار تنويع الأوراق الأميركية والغربية، وإن كان العارفون بالشؤون السعودية يقلّلون من قدرة الأخير على قيادة تحوّل داخل دوائر السلطة وحده.
على أيّ حال، وعلى رغم محاولات رأب الصدع داخل الأسرة الحاكمة، إلا أن وضعها شديد التعقيد، والخيارات المتاحة أمامها محفوفة بالمخاطر. فإذا أعيد توزيع السلطات ضمن تسوية ما، فإن ذلك سيكون على حساب ابن سلمان، وبالتالي سيبقى الأخير متوجّساً وحذراً خشية من أبناء عمومته الذين أشعل في قلوبهم حقداً جرّاء اعتقالهم وإهانتهم وسلبهم أموالهم. وفي المقابل، سينظر الأمراء إلى ابن سلمان على أنه متهوّر، ويتحيّن الفرص لإعادة كرّة الانقضاض عليهم مرة أخرى.